مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٦٩
في باقي الوجوه بكون التحذّر غاية للإنذار لا يعني سقوطه عن الغائبة، و إذا كان غاية للإنذار كما هو المستفاد من الآية الكريمة فقد ثبت تماميّة ملاكه قبل الإنذار، فلا تصل النوبة إلى إثبات حجّية الإنذار بأيّ وجه من الوجوه [١]. و هذا نظير إشكالنا الّذي أوردناه بلحاظ مادّة الإنذار. و كذلك الحال لو قلنا بإجمال التحذّر و تردّده بين التحذّر عن العقاب، أو مخالفة الواقع.
بقي الكلام فيما أفاده الأصحاب - رضوان اللَّه عليهم - في مقام الإشكال على الاستدلال بهذه الآية على حجّية الخبر، و عمدة الإشكالات المذكورة في كلماتهم ترجع إلى وجوه ثلاثة غير ما مضى منّا:
الوجه الأول - أنّ الآية الشريفة إنّما تدلّ على وجوب الحذر بنحو القضية المهملة، و ليس لها إطلاق يشمل فرض عدم العلم، و ذلك لأنّها إنّما وردت في مقام بيان وجوب النفر و التفقّه و الإنذار. و ليست في مقام البيان من ناحية وجوب الحذر حتى يتمّ الإطلاق بالنسبة له.
و هذا الوجه لا يرجع إلى محصّل، فإنّه إن جعل إشكالا على الوجه الأول من الوجوه الثلاثة الماضية ورد عليه: أنّ المفروض فيه أنّ قوله:
«لعلّهم يحذرون» بصدد إبراز مطلوبية الحذر، فالآية الشريفة متصدّية لذكر مطلوبية الحذر و محبوبيّته، و مقتضى الأصل العقلائي فيمن يذكر شيئا أنّه في مقام بيان تمام مراده فيه، فيتمّ الإطلاق ب النسبة لجملة (لعلّهم
[١] و يمكن أن يجعل هذا بضميمة ما سبق من توقّف الوجه الأول على تفسير الحذر بالحذر عن العقاب برهانا على بطلان الاستدلال بالآية على حجّية الخبر بالوجه الأوّل بأن يقال: إمّا أن يفرض أنّ المقصود بالحذر في الآية هو الحذر من العقاب، أو يفرض أنّ المقصود به الحذر من المخالفة. فعلى الأوّل تدلّ الآية على ثبوت ترقّب العقاب قبل الإنذار: لأنّ جعل شيء غاية لشيء ظاهر في ثبوت ملاكه في الرتبة السابقة على ذي الغاية، و هذا يعني عدم دلالة الآية على حجّية خبر المنذر و على الثاني لا تكون مطلوبية الحذر مساوقة لوجوبه لإمكان كونه مستحبا.