مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٣٧
أعني تأخّر الموضوع عن الحكم، و ذلك لأنّ الجزء الأوّل من جزئي الموضوع و هو الخبر غير ثابت لنا بالحسّ في غير الخبر المباشر لنا، و إنّما يثبت ذلك بحجّية ما قبله من الخبر و هي الحكم المستفاد من هذه الآية. إذن فالحكم يثبت قبل ثبوت الموضوع.
و هذان التقريبان يختلفان ملاكا و موضوعا: أمّا الأوّل فلما عرفت من أنّ ملاك الأوّل هو تقارن المتقدّم و المتأخر و وحدتهما، و ملاك الثاني هو تأخر المتقدّم. و أمّا الثاني فلأنّ النسبة بينهما عموم من وجه فهما يجتمعان في الوسائط و يفترقان في الطرفين، إذ الأوّل لا يأتي في أوّل السلسلة الّذي ينقل الحكم الشرعي، و الثاني لا يأتي في آخر السلسلة المتّصل بنا الّذي يكون خبره ثابتا عن حسّ.
و لا يخفى ما في التقريب الثاني من الخلط بين ثبوت الخبر واقعا و ثبوته ظاهرا و تعبّدا. أو قل الخلط بين الخبر و الكشف عنه، فإنّ ما يكون موضوعا للحجّية هو نفس الخبر بوجوده الواقعي، و ما تحقّق بسبب الحجّية هو الكشف عن الخبر و ثبوته عندنا تعبّدا.
و على أية حال فهذا الإشكال بكلا تقريبيه إنّما يأتي بالنسبة للأدلّة اللّفظية لحجّية خبر الواحد دون الأدلّة اللّبيّة، فالاستدلال بالسيرة العقلائيّة مثلا لا يرد عليه هذا الإشكال، فالسيرة لو قامت على الأخذ بالخبر مع الواسطة، و المفروض كشفها عن الجعل الشرعي، فهي تكشف عن الجعل بالنحو الّذي لا يرد عليه هذا الإشكال كفرض كون الحجّية لجميع الوسائط بجعول متعدّدة لا بجعل واحد [١]. و لعلّ هذا هو الوجه في أنّهم لم يؤجلوا البحث عن إشكال الأخبار مع الوسائط إلى آخر أدلّة حجّية خبر الواحد التي منها
[١] أو كون الخبر مع الواسطة حجّة ابتداء لثبوت الحكم الشرعي المنقول من دون أن يكون كلّ خبر مثبتا لما قبله.