مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٦٧٥
لكن الواقع أنّ التقييد الثابت فيما نحن فيه لم يكن لأجل دخل القيد في ملاك الحرمة حتى يقال: كما يفرض شرب الماء الثاني دخيلا في ملاك الحرمة، كذلك لعل الأمر بالعكس بأن يكون عدم شربه دخيلا في الحرمة، أو لعلّ شيئا خارجيا آخر دخيل في الحرمة، و إنّما كان التقييد بملاك الجمع بين نفي العسر و الحرج و التحفظ على ملاك الواقع بقدر الإمكان، و هذا إنّما يقتضي التقييد بفرض شرب الماء الثاني لا بشيء آخر أمّا لو قيّد بعدم شربه فقد يشرب كليهما، و لو قيّد بشيء آخر كالذهاب إلى المكان الفلاني فقد يترك ذاك القيد و يشرب كليهما فلم يحصل التحفّظ على ملاك الواقع.
و الخلاصة: أنّ نسبة هذه التقييدات إلى نفي الحرج على حدّ سواء، و نسبتها إلى حفظ ملاك الواقع ليست على حدّ سواء، و إنّما الأقرب إلى ذلك هو القيد الأول، فرضا المولى بشرب الماء الأول مع ملاحظة القيد الأول و هو شرب الثاني - و ذلك بأن لا يشرب الثاني - يصبح متيقنا فيؤخذ به، و سائر القيود تدفع بالإطلاق.
إن قلت: إنّنا نحتمل كون الخارج من تحت الحرمة أضيق من مجرّد فرض عدم شرب الماء الآخر بأن يكون الخارج من إطلاق الحرمة هو خصوص فرض عدم شرب الماء الآخر منضما إلى ذهابه إلى مكان كذا مثلا، و ذلك بدعوى أنّه كلّما فرضت دائرة الخروج من الحرمة أضيق كان ذلك أوفق بحفظ ملاك الواقع.
قلت: بعد تسليم [١] ما ذكر نقول: إنّ هذا الاحتمال يأتي بعينه في جانب نقيض ذاك القيد الإضافي و هو عدم الذهاب إلى مكان كذا مثلا و لا نحتمل انحفاظ إطلاق الحرمة عند عدم شرب الآخر لكلتا حالتي وجود
[١] أي (بعد فرض تسليم كون ذلك أحفظ لملاك الواقع) و لعلّ هذا إشارة إلى أنّ هذا لا يؤدّي إلى حفظ الواقع إلاّ في فرض تحمّل المكلّف الأمر الحرجي، كما إذا لم يذهب إلى المكان الفلاني و تحمّل العطش، و لا إشكال أنّ هذا خلاف الفهم العرفي من دليل نفي العسر و الحرج.