مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٤٦
حال تمام ما ذكروه في المقام.
و قد تحصّل إلى هنا دليلان صحيحان على حجّية خبر الثقة: السنّة، و السيرة، و الدليل الصحيح منحصر في هذين لعدم تماميّة ما مضى من الاستدلال بالكتاب، و عدم تماميّة ما سيأتي من الاستدلال بما ذكروه من الأدلّة العقليّة كما سوف يتّضح - إن شاء الله -.
- و من الفوارق بين السيرتين: إنّ سيرة العقلاء لو تمّت لا يحتمل اختصاصها بباب الأحكام، بل تشمل الموضوعات حتما لأنّ جذور السيرة و هي درجة الكشف و درجة الاهتمام لا فرق فيها بين البابين. أمّا سيرة المتشرعة فاحتمال اختصاصها بباب الأحكام و ما يلحق به كإثبات نقل الواسطة للحكم وارد، و توضيح ذلك أنّ البرهان الّذي مضى عن أستاذنا الشهيد - رحمه اللَّه - لإثبات السيرة كان مؤتلفا من ثلاث مقدّمات، و كانت المقدّمة الأولى عبارة عن كثرة الابتلاء في زمن المعصومين عليهم السّلام بالأخبار الظنية، و هذه المقدّمة مختصّة بباب الأحكام، و لا تجري في الموضوعات لأنّ الغالب في الموضوعات وجود طريق آخر يستغني به بسهولة من خبر الواحد، و ذلك إمّا بالاعتماد على أمارات عقلائية أخرى مقطوعة الحجّيّة، كاليد، و سوق المسلمين، و الإقرار، و نحو ذلك، أو بسهولة تحصيل العلم بالواقع، و هذا بخلاف باب الأحكام حيث كان الإمام عليه السّلام في ما عدا بلد حضوره فيه بعيدا عن متناول الشيعة، بل حتى في بلد الحضور لم تكن نعمة التشرّف بحضوره موفورة للكلّ خصوصا في غير زمان الإمام الصادق عليه السّلام، و هذا ممّا يجعل الابتداء بأخبار الآحاد عامّا شائعا، و يؤدّي إلى تماميّة البرهان الماضي من أنّه لو لا السيرة لكثر السؤال و الجواب بالنفي. و كذلك المقدّمة الثالثة من تلك المقدّمات تتمّ في باب الأحكام، و لا تتمّ في باب الموضوعات، إذ وردت في باب الموضوعات روايات متفرّقة في أبواب مختلفة تدلّ على الحاجة إلى البيّنة و عدم كفاية خبر الواحد ممّا يحتمل كونها إشارة إلى عدم حجيّة خبر الواحد في الموضوعات، بينما لم يرد شيء من هذا القبيل في باب الأحكام، و احتمال الفرق وارد.