مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥٢٩
مثل هذه السيرة التي لها مبادئ مستحكمة في ارتكاز العقلاء ردعا لا يدع مجالا للحيرة و البلبلة الموجبة لكثرة السؤال و الجواب؟
جواب الأصحاب عن رادعيّة الآيات عن السيرة ثمّ إنّ للأصحاب - قدّس اللَّه أسرارهم - في مقام دفع رادعيّة الآيات عن السيرة بعد تسليمهم لتماميّة رادعيتها في نفسها جوابين: أحدهما للمحقّق النائيني - رحمه اللَّه - و مدرسته، و الآخر للمحقّق الخراسان يّ - رحمه اللَّه - و مدرسته:
أمّا الجواب الأول - فهو ما أفاده المحقّق النائيني من دعوى حكومة السيرة على تلك الآيات لأنّ جعل الحجّية يكون بجعل العلم، فيخرج ذلك عن موضوع الظنّ و عدم العلم المنهي عن العمل به. و هذا في الحقيقة اقتناص من الجواب العام له - قدّس سرّه - عن معارضة تلك الآيات بمطلق أدلّة حجّية خبر الثقة حيث تمسّك في حلّ التعارض بدعوى الحكومة ببيان جعل العلم في دليل الحجيّة، و السيرة فرد من أفراد تلك الأدلّة، و يأتي فيها عين ذاك الجواب.
و التحقيق: أنّ هذا الكلام لا يتمّ في أصل حلّ المعارضة بين تلك الآيات و الأدلة، و على فرض تماميّته في ذلك لا يتمّ في خصوص ما نحن فيه من السيرة العقلائية.
أمّا الأول - فلأنّنا بعد أن سلّمنا أنّ الحجّية إنّما تكون بجعل العلم و الطريقيّة، و تقمّصنا كلّ تصورات المحقّق النائيني - رحمه اللَّه - في باب الحكومة و بيان الحاكم و المحكوم نقول: إنّه كما أنّ دليل حجّية الظن يجعل الظن علما كذلك الآيات لو فرض ردعها عن الظنّ تنفي كونه علما، فهما دليلان واردان في عرض واحد على شيء واحد متخالفان في النفي و الإثبات، و لا معنى لحكومة أحدهما على الآخر. فهذا في الحقيقة خلط بين الدليل الوارد في علميّة الظن نفيا و إثباتا، و الدليل الوارد في آثار العلم كدليل حرمة الإفتاء بغير علم، فإنّه يمكن دعوى حكومة دليل الحجّية على مثل دليل حرمة الإفتاء