مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٥١٧
القرآن [١]». فإنّ ظاهر هذا هو الفراغ عن حجيّة خبر من لا يتّهم بالكذب، إذ الظاهر أنّ خبر من لا يتّهم بالكذب لو كان كالقياس لما سأله عن وجه المخالفة. و لكن بما أنّ خبر الثقة يكون في نظر هذا السائل حجّة و طريقا إلى الواقع ممضى من قبل الشارع انتقل ذهن هذا الرّجل إلى هذا السؤال، و الإمام عليه السّلام قد أقرّه على تصوره هذا.
ثمّ لو تنزّلنا عمّا ذكرنا حتى الآن من أنّ مفاد الحديث الأوّل، و هو حجيّة خبر الثقة مقطوع الصدور عن الإمام أو مطمأن به و لو بمعونة باقي الروايات، فيثبت نفي احتمال الكذب و احتمال الخطأ عن خبر الثقة تعبّدا، فلا أقلّ من الجزم أو الاطمئنان بصدور التعبّد بنفي احتمال الخطأ عنه، لأنّ بعض الطوائف الماضية غير الدالّة على حجيّة خبر الثقة قد عرفت دلالتها على نفي احتمال الخطأ تعبّدا، فتنضمّ تلك الروايات إلى هذه الروايات، و يحصل الجزم أو الاطمئنان بالقدر المشترك بينها و هو نفى احتمال الخطأ، و بذلك يتمّ لنا التمسّك بالحديث الأوّل، لأنّنا لا نحتمل فيه الكذب، و إن كان هناك مجال لاحتمال ينافي الاطمئنان فإنّما هو احتمال الخطأ، و قد تعبّدنا بعدمه، فإذا صار الحديث الأوّل حجّة تمسّكنا به
[١] الوسائل جزء ١٨ باب ٩ من صفات القاضي حديث ٤ ص ٧٧ و السند تمام. و مما يدلّ على حجّية خبر الثقة مرسلة الاحتجاج للطبرسي عن الحسن بن الجهم، عن الرضا عليه السّلام قال: «قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة فقال: ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللَّه عزّ و جلّ و أحاديثنا فإن كان يشبههما فهو منّا، و إن لم يكن يشبههما فليس منّا قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين، و لا نعلم أيّهما حقّ قال: فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت«». و مرسلته أيضا عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: «إذا سمعت عن أصحابك الحديث و كلّهم ثقة فموسّع عليك حتى ترى القائم عليه السّلام، فتردّ إليه«»