مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٦٤
أو لإنسان آخر يعيش في هذا العرض العريض المكاني أو الزماني الّذي سيصله هذا الإنذار، و سيحصل له العلم بسبب هذا الإنذار، و لو بمعونة ضمّه إلى إنذار منذرين آخرين. فالمولى قد أوجب الإنذار على الإطلاق رغم أنّ الحذر لم يكن واجبا إلاّ عند حصول العلم، و ذلك بغرض الحفاظ على الملاك في مورد يوجب الإنذار العلم، و لكنّ العبد يتخيّل عدم تأثير إنذاره في حصول العلم لأحد.
و أمّا الوجه الثالث - و هو أنّ الحذر غاية للإنذار الواجب، و غاية الواجب واجبة. فيرد عليه:
أنّ الصغرى و إن كانت مقبولة و هي أنّ الحذر جعل غاية للإنذار لكن الكبرى غير مقبولة، و هي دعوى أنّ غاية الواجب إذا كانت اختيارية فلا بدّ أن تكون واجبة، و ذلك لأنّ العقل و إن كان يحكم بأنّ غاية الواجب محبوبة للمولى بدرجة لا تقلّ عن محبوبية ذي الغاية، لأنّ محبوبيّة ذي الغاية إنّما جاءت من محبوبيّة الغاية، لكن هذه المحبوبيّة للغاية إنّما هي ملاك اقتضائي لوجوبها، و قد يمنع عن تأثيره في فعليّة الوجوب مانع، و هو التزاحم بين هذا الملاك و ملاك آخر، فمن المحتمل مثلا أنّ ملاك إيجاب الحذر كان مزاحما بمفسدة الكلفة و المئونة الثابتة في لزوم الحذر عند عدم العلم، و كان الملاك الثاني مقدّما في نظر المولى على الملاك الأوّل فلم يوجب الحذر، و لكن ذلك لا ينافي إيجاب الإنذار.
توضيح ذلك: أنّ للحذر أبوابا متعدّدة من أبواب العدم. منها: باب عدمه الناشئ من عدم إيجاب الحذر عند الإنذار مع عدم حصول العلم، و لو لا المزاحمة مع ملاك الكلفة و المئونة لكان المولى يسدّ جميع أبواب العدم التي تكون من قبله، لكن هذه المزاحمة أوجبت رفع يده عن سدّ باب العدم، إلاّ أنّ الضرورة تتقدّر بقدرها، أي أنّ المزاحمة إنّما تؤثر في دائرة التزاحم لا في نطاق أوسع، و ملاك الكلفة و المئونة إنّما يزاحم سدّ باب عدم الحذر الناشئ