مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٥٣
و قد أورد على هذا الاستدلال في كلمات المحقّقين بما يرجع محصّله إلى وجهين:
الوجه الأوّل - أنّ روايات الباب و إن كانت متواترة إجمالا إلاّ أنّ الّذي يثبت بالتواتر الإجمالي إنّما هو أخصّ العناوين، و هو عنوان مخالفة الكتاب، فالنتيجة إنّما هي سقوط ما خالف الكتاب عن الحجّية. أمّا ما تفرض فيه تماميّة الإطلاق لكلّ خبر لم يوافق الكتاب فليس إلاّ من أخبار الآحاد، فلا يمكن الاستدلال به على عدم حجّية خبر الواحد.
و هذا الوجه - بقطع النّظر عن تكميله بضم ضميمة - لا يتمّ، إذ بالإمكان أن يقال في مقابل ذلك: إنّه إن لم يمكن الاستدلال بخبر الواحد على نفى حجّية نفس ذلك الخبر، فالاستدلال به على نفي حجّية باقي الأخبار لا عيب فيه، فنحن نثبت حجّية هذا الخبر بالسيرة العقلائية الدالّة على حجّية خبر الواحد، و هذا الخبر هو رادع عن الأخذ بتلك السيرة في باقي الأخبار.
الوجه الثاني - أنّنا نعلم إجمالا بصدور أخبار كثيرة عنهم - عليهم السلام - لا يوجد مضمونها في القرآن الكريم، و هذا العلم الإجمالي ليس موجودا عندنا فقط، بل موجود عند كلّ أحد حتى من سمع الإمام - عليه السلام - يقول: «إنّ ما لم يوافق الكتاب فهو زخرف». و من الواضح أنّ إطلاق هذه الأخبار مناقض لهذا العلم الإجمالي، فلا بدّ إذن من التأويل.
و إذا سقط ظهورها عن الحجّية و تعيّن التأويل انفتحت أبواب عديدة للتأويل، كالحمل على مورد التعارض و بيان مرجّحيّة الكتاب لأحد
- غير حجّة، و أنّه إن كان موافقا للكتاب، فالأخذ بمضمونه أخذ في الحقيقة بالكتاب، و إن لم يكن موافقا للكتاب لم يجز الأخذ بمضمونه، فخبر الواحد بشكل عام ساقط عن الحجّية. و قد استظهر أستاذنا الشهيد - رحمه اللَّه - في بحث التعادل و التراجيح - بعد فرض دلالة الروايات على الردع عمّا لا يوافق الكتاب - الاحتمال الثاني، أي الردع عن مطلق خبر الواحد.