مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٥٩
في الحقيقة منها من المجاز، و اللغوي قد نقل لنا: أنّ هذا اللفظ لم يستعمل إلاّ في المعنى الفلاني فلا بدّ أن يكون هو المراد من النص، و من البعيد جدا أن يكون له معنيان و موردان للاستعمال و مع هذا يخفى أحدهما على اللغوي.
ثالثها - ما لو أحرزنا أنّ هذا اللفظ لم يرد به بعض معانيه كما لو قال لنا اللغوي: إنّ موارد استعمال اللفظ الفلاني ثلاثة و شخّصها لنا، و نحن قد حصلنا على قرينة بلحاظ نصّنا الشرعي تدلّ على أنّ المعنى الأول و الثاني غير مقصودين من هذا النص فيتعيّن حمله على المعنى الثالث، و ليس هذا من تشخيص الحقيقة عن المجاز بل من باب تعيين موارد الاستعمال.
و أمّا القول بأنّ إخبار اللغوي عن موارد الاستعمال إخبار عن حسّ و ليس إخبارا عن حدس كي يشمله بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة فيرد عليه:
أولا - إنّ في كثير من الموارد يكون تعيين موارد الاستعمال قائما على أساس الحدس، فإنّ تعيين أصل المعنى المستعمل فيه اللفظ قد يكون قريبا من الحسّ، إلاّ أنّ تعيين حدود المعنى و قيوده و إطلاقه و ضيقه ممّا لا بدّ فيه من استعمال الحدس في كثير من الأوقات، فإنّ اللغويين كانوا يتتبعون كلمات العرب و استعمالاتهم في جزئيات الموارد فيجمعونها و ينتزعون منها بعد إلغاء الخصوصيات التي يمتاز بها فرد من أفراد مورد الاستعمال عن آخر جامعا كي يعرفوا أنّ هذا هو المعنى المستعمل فيه، و عمليّة انتزاع هذا الجامع عمليّة حدسيّة و اجتهادية و ليست حسّية.
و ثانيا - إنّ معنى بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة منضمّا إلى عدم حجّية خبر الواحد في موضوعات من قبيل موت زيد و حياة عمرو - لو قلنا به - لا يعني اختصاص الحجّية العقلائية لقول أهل الخبرة بالخبرة الحدسية بأن يكون الحدس أولى بالاعتماد عليه من الحسّ، فلو قال: رأيت بعيني، لم يقبل منه و لو قال: إنّي أعمل نظرا و اجتهادا يكون في معرض الخطأ