مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٥٤
و ما هو كنهها؟ فذا موكول إلى بحث الوضع. ثم الواضع إذا وضع اللفظ للمعنى دون أن يخبر أحدا بحسب الخارج، لم ينتقل ذهن السامع من هذا اللفظ إلى المعنى لأنّ الرابطة لم توجد في ذهنه، و الانتقال من أحد الحدّين إلى الآخر فرع وجود الرابطة في ذهن المنتقل، إلاّ أن تكوّن هذه الرابطة في الذهن ليس منشؤه منحصرا في العلم بالوضع، بل هنا منشأ آخر لتكوّن هذه الرابطة في الذهن و هو الوقوف على استعمالات كثيرة، فالطفل حينما يسمع كثيرا كلمة الحليب مقترنا ذلك برؤية الحليب تتكوّن في ذهنه هذه الرابطة بين اللفظ و المعنى، فكثرة استعمال اللفظ أمامه في هذا المعنى مطلقا و في جميع الأحوال تقوم مقام العلم بالوضع و تحدث في ذهنه نفس الرابطة قبل أن يعلم شيئا عن الوضع و بعد هذا يستدلّ بهذه العلاقة على الحقيقة.
أمّا أنّه كيف يفرق بين الحقيقة و المجاز مع وجود هذه العلاقة في المجاز أيضا؟ فطريق الفرق بينهما هو أنّ هذه الرابطة في باب الحقيقة رابطة مطلقة و في باب المجاز رابطة مقيّدة بشروط معيّنة، و الرابطة المطلقة نتيجة للاستعمال المطّرد و الاستعمال المطّرد نتيجة للوضع، و حينما لا يكون الاستعمال مطّردا لا تتولّد رابطة مطلقة و لا يكون الاستعمال حقيقة بل هو مجاز.
و قد تحصل أنّ التبادر لا يتوقّف على العلم بالوضع حتى يلزم من الاستدلال به على الوضع الدور، و إذا اتّضح أنّ التبادر لا يتوقّف على العلم بالوضع انفتح المجال للدخول في التعليق الثالث فنقول:
و أمّا التعليق الثالث - و هو فرض الشكّ في استناد التبادر إلى القرينة و عدمه، فنحن نفسّره بالطريق الفنّي بأن نقول: إنّ هذا الطفل الّذي تعلّم اللغة على الطريقة الحياتية قد يشكّ في أنّ هذه الرابطة بين اللفظ و المعنى هل هي رابطة مطلقة أو رابطة مقيّدة بشروط معينة و مكتنفات خاصة