مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٥١
أقول: إنّ بين التعليق الثاني و الثالث شيئا من التدافع، إذ في التعليق الثاني فرض أنّ التبادر مرتب على العلم بالوضع لا على نفس الوضع، بينما التعليق الثالث إنّما ينسجم مع فرض ترتب العلم على نفس الوضع حتى يعقل الشكّ في أنّ هذا التبادر هل هو مستند إلى الوضع أو لا يوجد وضع في المقام و أنّ التبادر نشأ من القرينة، أمّا إذا فرض التبادر مترتّبا على العلم بالوضع فلا معنى لهذا الشكّ إذ لا معنى لأن يشكّ أحد في أنّه هل يعلم بالوضع أو لا، فإنّ العلم الإجمالي الارتكازي بعد الالتفات إليه ينقلب إلى التفصيل و إلاّ لم يكن علما بل كان أمرا منسيا خارجا عن خزانة النّفس [١].
و الصحيح - كما ستعرف إن شاء الله - هو منحى التعليق الثالث و ليس منحى التعليق الثاني.
و على أيّ حال فلنبحث الآن عمّا هو التحقيق في هذين التعليقين:
أمّا التعليق الثاني - و هو إشكال الدور، فهو مبنيّ - كما عرفت - على تسليم أنّ التبادر يترتّب على العلم بالوضع لا على نفس الوضع، و هذا إنّما يتمّ لو قصرنا النّظر في تعلّم اللّغة على طريقة الدراسة على يد القواميس أو على الأستاذ و نحو ذلك، فيقال مثلا ما لم يعلّمه الأستاذ المعنى الحقيقي للكلمة لا يتبادر لديه المعنى من اللفظ. و لكن طريق تعلّم اللّغة ليس منحصرا بذلك، بل هناك طريق آخر و هي الطريقة الحياتيّة في تعلّم اللغة و هي طريقة تعلّم اللّغة بالتعايش في وسط أبناء تلك اللّغة، و هي الطريقة التي يمرّ بها كلّ إنسان في حالة طفولته، فهو يولد في بيئة معيّنة تسودها لغة من اللغات و تتكوّن لديه بالتدريج تبادرات معيّنة، فحينما يسمع كلمة الم اء مثلا - يتبادر في ذهنه المعنى المعترف به في ذلك المحيط، و هذا التبادر
[١] كأنّ إشكال التدافع ينظر إلى فرض الجواب الأول من جوابي إشكال الدور و هو التمييز بين العلم التفصيليّ و الارتكازي إذ لو انحصر جوابهم بالجواب الثاني و هو التمييز بين العالم و المستعلم لما كان هناك تدافع بين التعليقين.