مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٤٣
البشر و توجيههم إلى طريق الحق، و صنع الإنسان الصالح المؤمن السعيد في دنياه و آخرته، فعندئذ يقاس مقدار نجاح هذا الكاتب و كماله بمقدار حصول هذا الغرض و إحاطته بالجهات الدخيلة في ذلك، و القرآن بالغ في ذلك حدّ الإعجاز، و يتحدّى الناس بذلك حتى يومنا هذا، و هذا يقتضي عكس ما ادّعيتم، فإنّ هذا الغرض لا يحصل ببيان الألغاز العلميّة و الرموز الفنيّة البعيدة عن فهم الناس، لأنّ هذه لا تخلق الناس الصالحين بل لا بدّ من ذكر تمام المؤثرات الدخيلة في تغيير الإنسان روحيّا و خلقيّا و فكريّا و عاطفيا و سائر النواحي الإنسانيّة. و لا بد أن تكون المعاني واضحة ميسّرة، و ملتقية مع عواطف الناس و مشاعرهم و أحاسيسهم، و قادرة على النفوذ إلى قلوب الناس كي تغيّر هذه القلوب و تخرجها من الظلمات إلى النور.
و هكذا كان الكتاب الكريم، و لذا كان المشركون يهتدون بسماع بضع آيات كانت تنفذ في قلوبهم و تنير بالإيمان عقولهم.
و أمّا ثانيا - فلأنّنا لا نتصور إعجازا يؤدّي إلى هذا الغموض و الإجمال في باب الأحكام الشرعية التي مرجعها إلى أنّ هذا حلال و هذا حرام، لأنّ الوجوب و الحلّ و الحرمة أمور مفهومة لدى الناس، و الإعجاز المتصوّر في الأحكام إنّما هو إعجاز بلحاظ ملاكات الأحكام الشرعيّة و المصالح و المفاسد التي يستند إليها الحكم الشرعي، و من الواضح أنّ الإعجاز بلحاظ الملاكات لا دخل له بفهم نفس الأحكام الشرعيّة المبيّنة في القرآن الكريم.
و أمّا الدعوى الثانية - و هي دعوى الإجمال العرضي بلحاظ العلم الإجمالي بابتلائه بورود التخصيصات و التقييدات و التأويل، و نحو ذلك من الأمور، فهي أيضا ليست بشيء، و ينقض ذلك بالسّنة الشريفة، فإنّ حالها حال الكتاب من حيث الابتلاء بالتخصيص و التقييد و نحوها.
و الصحيح أنّ هذا البيان غير تام، لا في القرآن و لا في السنّة، و ذلك لما حقّقناه مفصّلا في بحث العام و الخاصّ، من أنّ هذا العلم الإجمالي