مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣٨
الطائفة الثالثة: و هي الروايات الآمرة بعرض نفس أخبار الأئمة - عليهم السلام - على الكتاب، و جعل الكتاب معيارا لتمييز الأخبار الصحيحة عن الأخبار الكاذبة، على عكس ما يقوله الأخباريّون من فرض أخبار الأئمة أصلا و الكتاب فرعا يفسر بلحاظها. و قد ادّعي تواتر هذه الطائفة.
و الإنصاف أنّ هذه الطائفة من أقوى الأدلة على حجّية ظواهر الكتاب الكريم، و لا يأتي هنا احتمالنا السابق في الطائفة الثانية إذ المفروض في هذه الأخبار جعل القرآن مقياسا لصحة الخبر و سقمه، فإذا فرض أنّ العبرة بالقرآن المفسّر بالخبر كان ذلك رجوعا مرة أخرى إلى الخبر فينتهي ذلك إلى جعل نفس الخبر مقياسا لصحّة الخبر و سقمه، و هذا مما لا معنى له و لا يحتمل. و هذا بخلاف باب الشروط فهناك لا يكون تهافت في أن يكون مقياس صحّة الشروط و فسادها مخالفتها للقرآن المفسر بالخبر و عدمها.
و الحاصل أنّ المتفاهم عرفا من هذه الطائفة بشكل واضح لا خفاء عليه أنّ القرآن هو الأصل و أنّ الأخبار هي الفرع، و أنّ كلّ ما خالف ال كتاب
- تنفي ثبوت كون ما يظهر من الكتاب ما لم نعرفه عن المعصومين مرادا من الكتاب فتكون حاكمة على الروايات الدالة على الأمر بالأخذ بالكتاب. و هذا لا ينافي العرضيّة المستفادة من بعض تلك الروايات بين الكتاب و السنة كحديث الثقلين فإنّه تكفي لانحفاظ العرضيّة نصوص الكتاب. و الصحيح ان هذا البيان بحدّ ذاته غير تامّ بناء على قبول دلالة الإطلاق المقامي على حجّية ظهور الكلام فإنّ الّذي يعارض روايات المنع عن التفسير بالرأي إنّما هو هذا الإطلاق المقامي، و هذا الإطلاق المقامي موضوعه هو ظهور الكتاب و ليس موضوعه هو المراد من الكتاب حتى يكون ما ينفي ثبوت مراديّة الظهور حاكما عليه بنفي موضوعه. فلا يقاس هذا الإطلاق مثلا بإطلاق أكرم العام الشامل لزيد العالم المحكوم لدليل ينفي تعبّدا عالميّة زيد، فإنّ هذا الإطلاق موضوعه العالم و الدليل الحاكم ينفي هذا الموضوع، بينما الأمر فيما نحن فيه ليس كذلك، و لعلّه لهذا لم يتعرّض أستاذنا الشهيد - رحمه اللَّه - في دورته الأخيرة لفكرة الحكومة في المقام حسب ما يبدو من تقرير بحثه الّذي ليس فيه تعرض هنا للحكومة.