مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣٣
الوجه الأول: مأخوذ ممّا بيّنّاه في بحث حجّية الدليل العقلي و عدمها حيث استدل الأخباريون هناك على عدم الحجّية بالروايات التي تنهى عن العمل بالرأي بقول مطلق في الأحكام الشرعيّة، و هنا استدلوا على عدم حجّية ظهور القرآن بالروايات الناهية عن تفسير القرآن بالرأي. و قد قلنا هناك: إنّ كلمة الرّأي و إن كان معناها اللغوي الأصلي هو النّظر مثلا أو ما يقرب من ذلك في المعنى، إلاّ أنّ الّذي يطالع مجموع الروايات الواردة في باب الرّأي، و يطالع عصر هذه الروايات يعرف أنّ هذه الروايات كانت ملقاة من قبل الأئمة عليهم السلام على أناس كانوا يعيشون و يفكّرون في جوّ، علميّ خاص له مصطلحاته الخاصة، و تعبيراته الخاصة، و له مسائله المطروحة للبحث إثباتا و نفيا. و من أهمّ تلك المسائل التي راج بحثها و ذكرها و اختلف الناس بسببها هو مسألة الرّأي. ففي عصر الصادقين عليهما السلام وجدت مدرسة علميّة في صفوف علماء السّنة بعنوان مدرسة الرّأي في مقام الاستنباط و التفسير و إخراج الأحكام من النصوص، و كانت هذه الكلمة مصطلحا لمذاهب استحدثت و راجت و عمّت و انتشر الحديث عنها و تشعّبت فروعها. و أصحاب الأئمة كانوا يسمعون أبحاث السنة و كانوا يعرفون آراءهم، و كان جملة منهم يفتي بآراء السنة، و لعل بعضهم كانوا أعلم بآراء علماء السنة منهم، فمحمد بن مسلم كان يجلس في المسجد و كان يفتي أهل كل مذهب بمذهبهم و يفتي أهل الحق بمذهب جعفر بن محمد - عليه السلام -، فأصحاب الأئمة عليهم السلام كانوا يعيشون هذا الجوّ و هذه المصطلحات. فمن يدّعي الاطمئنان بأنّ كلمة الرّأي التي تردد في كلام الأئمة عليهم السلام الملقاة على مثل هؤلاء الذين يعيشون في مثل هذا الجو لم يكن يفهم منها إلاّ نفس ذلك المصطلح الّذي كان عنوانا لاتجاهات معينة و مشخصة في الفقه و الاستنباط و التفسير ليس بمجازف.
و لو فرض أنّ شخصا لم يحصل له الاطمئنان من ملاحظة مجموع هذه