مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٧١
العلم بالقرينة المنفصلة.
و بالإمكان أن يتوهم أنّ ما أبطلنا به الوجه الثالث يكفي لإبطال الوجه الثاني أيضا. ففي القرينة المتصلة يقال أيضا: إنّ أصالة عدم القرينة لا كاشفية لها عن شيء فيجب الرجوع رأسا إلى الظهور التصوّري عند عدم العلم بالقرينة على الخلاف، إذ الرجوع إلى أصالة عدم القرينة رجوع إلى أصل تعبّدي بحث، و ليس هذا من ديدن العقلاء في أصولهم العقلائية.
و لكن الواقع على عكس هذا تماما فالنكتة التي أبطلنا بها الوجه الثالث تبطل الوجه الأوّل أيضا، و تعيّن الوجه الثاني. و ذلك لأنّ التمسّك بالظهور التصوّري يعني التمسّك بأصل تعبّدي بحت لما مضى من أنّ الظهور التصوّري ليس بابه باب الكشف، و إنّما بابه باب العلّيّة و الإيجاد.
و الكشف إنّما يتمّ ببركة نكتة الظهور التصديقي، و لو لا الظهور التصديقي لما كان أيّ كشف للكلام كي يعقل الاعتماد عليه عقلائيا، فالاعتماد العقلائي إنّما هو على الظهور التصديقي، و الّذي هو متقوّم بعدم القرينة على الخلاف، فلا بد من إحراز عدم القرينة كي يمكن التمسّك بالظهور التصديقي. و الّذي يحرز لنا عدم القرينة هو أصالة عدم القرينة المتصلة، و ليست هذه أصلا تعبّديا بحتا بل هي قائمة على استبعاد غفلة السامع عن القرينة لأنّ الغفلة خلاف الطبع العقلائي، و أسبابها في قبال أسباب الالتفات و عدم الغفلة نادرة جدا. فأصالة عدم القرينة المتصلة ليست أصلا تعبّديا و لو لم تجر لم تصل النوبة إلى أصالة الظهور إذ لو أريد بالظهور الدلالة التصوّرية فقد عرفت أنّ بابها ليس باب الكشف، و لو أريد به الدلالة التصديقية فقد عرفت أنّ قوامها بعدم القرينة المتصلة. فبناء العقلاء على الحجّية المجعولة الفعلية للظهور مع الشك في القرينة المتصلة الّذي هو مسلّم و مفروغ عنه لا يعقل تفسيره فلسفيّا إلاّ بإجراء أصالة عدم القرينة المتصلة أوّلا تنقيحا لموضوع الظهور ثم إجراء أصالة الظهور.