مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٣٤
بأنّ الشيء لا بدّ أن يكون ضروريا أو مكتسبا منتهيا إلى الضروري، فخلف هذا المنطق في الأذهان في مختلف العلوم - و منها علم الفقه - تخيّل أنّ الإنسان غير الساذج لا ينبغي له تسليم أيّ دعوى لا تكون ضروريّة و لا منتهية إلى الضروريات. و من هنا يحاول الفقيه أن يجد دليلا وفق مقصوده كي لا يكون مدّعيا لشيء بلا دليل. و لكن الواقع أنّ العلم ليس دائما ناشئا من البرهان بل قد ينشأ عن علّة أثرت في النّفس تكوينا فأوجدت العلم بلا برهان. و العلم بنفسه أمر حادث قائم بممكن حادث تسيطر عليه قوانين العلّية و المعلوليّة، و مهما وجدت علّته يوجد العلم قهرا سواء علمت تلك العلّة أو لا، و ليس حصول العلم بحاجة إلى التفتيش عن علّته كي نجدها فيوجد العلم، و ليست نسبة العلم إلى علّته إلاّ كنسبة الحرارة إلى علّتها، فكما أنّ الحرارة توجد بوجود علّتها سواء فتشنا عن علّتها و وجدناها أو لا، كذلك الحال في العلم فلا موجب لهذا النزوع و الاتجاه. نعم لو أريد إعطاء صفة الحجّية المنطقية للعلم يجب التفتيش عن علّته، و ملاحظة مدى انطباقها على قوانين المنطق القديم [١]. هذا تمام الكلام في بحث السيرة و ما ألحقناه به.
[١] الظاهر أنّ هذا البيان صدر من أستاذنا (رحمه اللَّه) بعد استكشافه لمنطق حساب الاحتمالات و عدم برهانية كثير من العلوم الموضوعية للإنسان، و قبل انتهائه إلى تحقيقاته النهائيّة في منطق حساب الاحتمالات و ما أسماه أخيرا بالمنطق الذاتي، أمّا بعد ذلك فمن الواضح أنّ هذا البيان غير فصحيح. إنّ العلم موجود حادث و ممكن يتبع علّته لكن العلم في غير الضروريات إنّما يكون موضوعيا إذا انتهى إمّا إلى البرهان، أو إلى قوانين حساب الاحتمالات المنقّحة في بحث المنطق الذاتي، و إن لم ينته إلى هذا و لا ذاك، فهو علم غير موضوعي ناتج عن وهم، أو عن مقاييس لم يكن ينبغي للإنسان أن يحصل له العلم منها. و نفس التفتيش عن علّة هذا العلم قد يوضّح للإنسان أنّ علمه هل هو موضوعي أولا؟ فإن عرف أنّه غير موضوعي فقد تصبح نفس هذه المعرفة سببا لزوال ذاك العلم. و الإنسان الّذي يعلم بشيء ميّال إلى معرفة سبب علمه، و مدى موضوعيته، و عن طريق معرفة السبب يستطيع أن ينقل علمه إلى الآخرين فليس من الصحيح القول بأنّه لا حاجة إلى التفتيش عن سبب العلم لأنّه إن حصلت علّته حصل و إلاّ فلا، كما لا يخفى.