مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١١٤
و إنّما هو مبتن على روح التمسّك بالاستقراء، و استنتاج النتيجة الكلّية من الاستقراء الناقص كما هو الحال دائما في باب التجربة.
و تحقيق هذا المطلب بالنحو المفصل مربوط ببحث قوانين التجربة و المنطق الذاتي، و ليس هنا موضع تفصيلها.
إلاّ أنّنا نقول إجمالا: إنّه إن كان المقصود بذلك إثبات فرضية قريحة مشتركة بين المجتمعات هي السبب لتحقّق هذه السيرة، و لم نعرف هذا الشيء المشترك مسبقا و إنّما أردنا اكتشافه من نفس السيرة فهذا غير صحيح لأنّ قانون التجربة إنّما ينطبق فيما لو علم بوجود شيء مشترك في تمام موارد التجربة، فتستكشف من ذلك علّية ذاك الشيء المشترك مثلا. و أمّا إذا لم يعلم بذلك و احتملناه فهذه التجربة لا توجب القطع بعلّية ذلك الأمر المحتمل. مثلا لو رأينا آلاف الأشخاص أكلوا قرصا معينا فماتوا علمنا أنّ ذاك القرص سمّ قاتل، أمّا لو رأينا آلاف الأشخاص ماتوا، و احتملنا أنّهم أكلوا ذاك القرص فهذا لا يكون كاشفا عن كون ذاك القرص سما قاتلا.
و ما نحن فيه من هذا القبيل فإنّنا إذا لم نعرف عنصرا مشتركا في ما بين المجتمعات يحتمل كونه هو سبب السيرة فليس من الصحيح أن نكتشف بواسطة وجود السيرة في جملة من المجتمعات علّية عنصر يفترض اشتراكه فيما بينها [١].
[١] على أنّه لو صح ذلك لم يكن لنا طريق إلى معرفة أنّ ذاك العنصر المشترك كان موجودا في مجتمع المعصوم أيضا. هذا.
و كأنّه علاجا لهذا النقص فرض أستاذنا (رحمه اللَّه) في الحلقة الثانية من (دروس في علم الأصول) أن تكون للإنسان ملاحظة تحليليّة وجدانيّة بحيث يرى في وجدانه و مرتكزاته العقلائية أنّه منساق إلى اتّخاذ موقف معين، و يلاحظ بتحليله الوجداني عدم ارتباط ذلك بالخصوصيات المتغيرة من حال إلى حال و من عاقل إلى عاقل، و قد يدعم ذلك باستقراء حالة العقلاء في مجتمعات عقلائية مختلفة للتأكد من هذه الحالة العامّة.
قال (رحمه اللَّه): و هذا طريق قد يحصل للإنسان الوثوق بسببه، و لكنه ليس طريقا استدلاليا