معرفت قرآنى (يادنگار آيت الله محمد هادي معرفت) - كنگره بزرگداشت آيت الله معرفت - الصفحة ٢٨٠ - الروح في المصطلح القرآني
«لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.»[١] أي كان تحت عنايتنا الخاصّة.
و رجّح جمهور المفسّرين أن يكون السؤال عن الروح بهذا المعني و هي الروح التي بها حياة الإنسان و بها تكون حقيقته و أصله. و هي التي اختلفت أنظار الفلاسفة منذ القديم في معرفة حقيقتها. و بما أنّها حقيقة ملكوتية، كانت الأنظار المادية قاصرة عن إدراكها و عن تعقّلها كما هي!
و يتأيد ذلك ما ورد أنّ الباعث لقريش في سؤالهم هذا، هم اليهود، سألتهم قريش أن يعرفوهم شيئاً يسألون عنه محمداً- صلي اللله عليه و آله و سلم- ليستخبروا حاله، أهو نبي كما يقول، أم يدعي أمراً لا ينبغي له؟! فأوغر إليهم اليهود أن يسألوه عن الروح، و هم يعلمون أنّه من مشاكل المسائل التي عطلت فيها أفهام فطاحل الحكماء.
روي محمد بن اسحاق بإسناده إلي سعيد بن جبير و عكرمة عن ابن عباس قال:
إنّ قريشاً بعثت النضر بن الحارث بن كلدة و عُقبه بن أبي مُعيط إلي يثرث، ليسألا أحبار اليهود عن أخبار نبي ظهر بينهم، فهل يجدون صفته عندهم؟ فخرجا حتي قدما المدينة و سألا الأحبار عن شأن محمّد- صلي الله عليه و آله و سلم-.
فقال لهما الأحبار:
سلوه عن ثلاث مسائل: عن الفتية أصحاب الكهف، و عن ذيالقرنين، و عن الروح.[٢] حتي يظهر لكم صدق نبوته.
فقدما مكة و عرضت قريش الأسئلة عليه- صلي الله عليه و آله و سلم-.
فسألوه عن ذي القرنين، فجاء الوحي:
قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً.[٣]
و هكذا ذكر تعالي قصّة أصحاب الكهف مع شيئ من التفصيل.[٤]
[١] . ص، آيه ٧٥.
[٢] . قال ابن عاشور: الجمهور قالوا: المسؤول عنه هو الروح بمعنى الاول[ الإنسانية]، قالوا لأنّه الأمر المشكل الذى لم تتّضح حقيقته. و أمّا الروح بمعنين الآخرين[ بمعنى الملك أو روح الشريعة] فيشبه ان يكون السؤال عنه سؤالًا عن معنى مصطلح قرآنى.
و قد ثبت أنّ اليهود سألوا عن الروح بمعنى الاول، لأنّه هو الوارد فى اوّل كتابهم و هو سفر التكوين من التوراة لقوله فى الاصحاح الأوّل:« و روح الله يرُفُّ على وجه المياه» و ليس الروح بالمعنيين الاخرين بواردٍ فى كتبهم.( محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج ١٤، ص ١٥٥).
[٣] . الكهف، آيه ٨٣.
[٤] . الكهف، آيات ٢٦- ٩، رقم نزولها: ٦٩.