معرفت قرآنى (يادنگار آيت الله محمد هادي معرفت) - كنگره بزرگداشت آيت الله معرفت - الصفحة ١٦٤ - مزية التفسير الموضوعي
قال الإمام أمير المؤمنين- عليهالسلام- و هو يتحدث عن القرآن الكريم:
ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق، و لكن أخبركم عنه؛ ألا انّ فيه علم ما يأتي و الحديث عن الماضي، و دواء دائكم و نظم ما بينكم[١].
التعبير بالاستنطاق الذي جاء في كلام ابن القرآن، أروع تعبير عن عملية التفسير الموضوعي بوصفها حواراً مع القرآن الكريم و طرحاً للمشاكل الموضوعية عليه بقصد الحصول علي الإجابة القرآنية عليها.
إذن فأول أوجه الاختلاف الرئيسية بين الاتجاه التجزيئي (الترتيبي) في التفسير، و الاتجاه الموضوعي في التفسير، أن الاتجاه التجزيئي يكون دور المفسر فيه دوراً سلبياً يستمع و يسجّل، بينما التفسير الموضوعي ليس هذا معناه و ليس كنهَه، و انّما وضيفته دائماً في كلّ مرحله و في كلّ عصر أن يحمل كلّ ثراث البشرية الذي عاشه، يحمل أفكار عصره، يحمل المقولات التي تعلّمها في كلّ تجربته البشرية، ثمّ يضعها بين يدي القرآن ليحكم علي هذه الحصيلة بما يمكن لهذا المفسّر أن يفهمه، أن يستشضّه، أن يتبينه من خلال مجموعة آياته الكريمة.
فهنا يلتحم القرآن مع الواقع، يلتحم القرآن مع الحياة، لأنّ التفسير يبدأ من الواقع و ينتهي إلي القرآن. لا أنّه يبدأ من القرآن و ينتهي بالقرآن، فتكون عملية منعزله عن الواقع، منفصله عن تراث التجربة البشرية، بل هذه العملية تبدأ من الواقع و تنتهي بالقرآن، بوصفه القيم و المصدر الذي يحدد علي ضوئه الاتجاهات الربانية بالنسبة الي ذلك الواقع (فيه دواء دائكم).
و من هنا تبقي للقرآن قدرته علي القيمومية دائما، قدرته علي العطاء المستجدّ دائما، قدرته علي الإبداع. لأن المسألة هنا ليست مسألة تفسير لفظ، فإنّ طاقات التفسير اللغوي ليست طاقات لامتناهية، بينما القرآن الكريم دلّت الروايات علي أنّه لا ينفد، و صرّح القرآن بأنّ كلمات الله لا تنفد، القرآن عطاء لا ينفد (عطاءً غير مجذوذ). بينما التفسير اللغوي ينفد، لأنّ اللغة لها طاقات محدودة، و ليس هناك تجدّد في المدلول اللغوي و لو وجد فلا معني لتحكيمه علي القرآن ...
اذن هذا العطاء الذي لا ينفد للقرآن، هي هذه المعاني المستنبطة من ثنايا القرآن، و
[١] . نهج البلاغة، خطبه ١٥٨.