أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب النكاح) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٣ - عدم التنافي بين سقوط حق الإرضاع وثبوت حق الحضانة
بقي هنا شيء: وهو أنّه يظهر من بعض كلمات فقهاء العامّة، أنّه لا تستأجر الامّ على الإرضاع، ولا يصحّ لها طلب الاجرة؛ قال في «المغني»: «وقال أصحاب الشافعي: إن كانت في حبال الزوج فلزوجها منعها من إرضاعه؛ لأنّه يفوّت حقّ الاستمتاع بها في بعض الأحيان، وإن استأجرها على رضاعه لم يجز؛ لأنّ المنافع حقّ له، فلا يجوز أن يستأجر منها ما هو أو بعضه حقّ له...
وقال أبو حنيفة: إن طلبت الأجر لم يلزم الأب بذلها لها»[١].
أقول: العجب من هذه الفتاوى التي هي أشبه بالأوهام من الفتوى:
فأوّلًا: أنّ حقّ الاستمتاع له في العرف حدود وآداب، وليس في كلّ آن، وفي كلّ مكان؛ ولو كان على خلاف ما هو المتعارف بين العقلاء. وما ورد في بعض الروايات فهو من باب التأكيد على حقّ الزوج، وإلّا فلا معنى لكون المواقعة على ظهر القَتِب.
وثانياً: أنّ الزوجة ليست مملوكة لزوجها حتّى تكون منافعها له، فليست كالشاة ذات اللبن، بل منافعها لنفسها وإن كان للزوج حقّ في الولد، لا بعنوان الملك.
وثالثاً: أنّ آية سورة الطلاق وإن كانت ظاهرة في وجوب دفع الاجرة إلى المطلّقات المرضعات، ولكن آية سورة البقرة[٢] مطلقة وإن وردت بعد بعض أحكام الطلاق. بل يمكن أن يقال: لا فرق بين المطلّقات وذوات الأزواج من هذه الجهة؛ لأنّ اللبن ليس ملكاً للزوج، لا في حال الزواج، ولا في حال الطلاق، فإذا ثبتت الاجرة في إحدى الحالتين جرت في الاخرى، واللَّه العالم.
[١]- المغني، ابن قدامة ٩: ٣١٢- ٣١٣ ..
[٢]- البقرة( ٢): ٢٣٣ ..