أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب النكاح) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٣٤ - اشتراط وجوب الإنفاق على الأقارب بفقرهم
وينبغي هنا الإشارة إلى كلام عجيب لصاحب «كشف اللثام» حيث قال:
«ويدخل في التكسّب» أي الرافع للفقر «السؤال والاستيهاب إن لم يقدر على غيره. ويمكن القول بوجوب التكسّب بغيره إذا قدر عليه؛ لما ورد من التشديد على السؤال، وأنّ المؤمن لا يسأل بالكفّ»[١]!
وأضاف في «الجواهر» في كلام له في المقام: «الظاهر عدم حرمة مطلق السؤال- الذي هو بمعنى الاستيهاب- للأصل، والسيرة، وغيرهما، وإنّما يحرم منه ما به يحصل هتك العرض الذي يجب على الإنسان حفظه»[٢].
أقول: لا شكّ في أنّ السؤال، أمر قبيح عقلًا إلّاعند الاضطرار؛ فإنّه ذلّ في الدنيا والآخرة، وقد وردت فيه روايات كثيرة يهدّد في غير واحدة منها بالعذاب يوم القيامة؛ أي إذا كان غنيّاً عنه[٣].
وأمّا الاستناد إلى الأصل والسيرة وغيرهما ممّا تمسّك بها في «الجواهر» فموردها فرض الاضطرار، وإلّا فلا شكّ في قبحه عقلًا، والذلّ في السؤال موجود دائماً- بل الاستيهاب- إلّافي موارد نادرة، والبيتان المعروفان لسائل سأل الحسن بن عليّ عليهما السلام وجوابه عليه السلام شاهدان على المقصود؛ قال السائل:
|
لم يبقَ لي شيء يباع بدرهم |
يكفيك منظر حالتي عن مخبري |
|
|
إلّا بقايا ماء وجه صنته |
ألّا يباع وقد وجدتك مشتري |
|
فأجابه الإمام عليه السلام مع إهداء هدية بالغة القيمة بقوله:
|
«فخذ القليل وكن كأ نّك لم تبع |
ما صنته وكأ نّنا لم نشترِ»[٤] |
|
إنّما الكلام في أنّه لو كان الأب قادراً على سؤال الناس؛ والاستيهاب من هذا وذاك، هل يجب عليه؛ ويكون به غنيّاً، ويسقط تكليف الابن بنفقته، أم لا؟
لا ينبغي الشكّ في أنّ هذا الغنى يحصل بسبب هتك عِرضه، والواجب على الابن صون عرض أبيه بالإنفاق عليه بلا إشكال، ولو لم يفعل لذمّه جميع الناس.
أمّا الرابع، أيمن كان قادراً على تعلّم صنعة، ولم يتعلّمها، فهو أيضاً خارج عن منصرف الأخبار، والأصل عدم الوجوب هنا، فمن كان له ولد سويّ قويّ يقدر على تعلّم صنعة تكفي مؤونته، ولكن يجلس في البيت ويلقي كَلّه[٥] على أبيه، لا يجب على أبيه نفقته، وهو داخل في الحديث المعروف: «ملعون ملعون من ألقى كَلّه على الناس»[٦].
وأمّا الخامس، وهو من كان قادراً على عمل يشقّ عليه جدّاً، أو لا يليق بحاله فهو داخل في عنوان «الفقير» لنفي العسر والحرج الحاصلين للبدن أو العِرض.
وأمّا السادس، أيالقادر على ما يليق به، ولكن يتركه طلباً للراحة، فلا فرق بينه وبين الرابع.
وأمّا السابع، فهو أيضاً داخل في عنوان «الفقير» شرعاً؛ ومن هذا الباب.
ولنتكلّم في قسم ثامن ذكره المصنّف في المسألة الثالثة بقوله:
[١]- إحقاق الحقّ ١٩: ٣٥٦.
[٢]- أي ثقله ..
[٣]- وسائل الشيعة ٢١: ٥٤٣، كتاب النكاح، أبواب النفقات، الباب ٢١، الحديث ٥ ..
[٤]- إحقاق الحقّ ١٩: ٣٥٦.
[٥]- أي ثقله ..
[٦]- وسائل الشيعة ٢١: ٥٤٣، كتاب النكاح، أبواب النفقات، الباب ٢١، الحديث ٥ ..