أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب النكاح) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨ - السادس العمى
التدليس يختلف باختلاف الأشخاص، والأزمنة، والأمكنة؛ فربّما يكون إخفاء شيء بالنسبة إلى شخص أو زمان أو مكان تدليساً، ولا يكون كذلك في مورد آخر، فلو زالت البكارة في الفتاة فأخفته عند العقد، يعدّ تدليساً في أوساطنا، ولا يكون كذلك في بعض المجتمعات؛ على ما سمعنا.
كما أنّ إخفاء كثير من العيوب في زماننا يكون من التدليس، مثل كون الزوج أو الزوجة معتاداً على الموادّ المخدّرة، أو محكوماً بالسجن سنين طويلة، أو معروفاً بفساد الأخلاق والقتل والسلب والنهب، وغير ذلك من العيوب الاجتماعية التي لا يحتملها المؤمنون والمؤمنات في أزواجهم.
فإخفاء مثل هذه العيوب، يكون تدليساً يوجب حقّ الفسخ للزوج والزوجة؛ حتّى أنّ بعض الامور التي لم تكن كذلك في السابق- كالعور- ربما يعدّ إخفاؤها من مصاديق التدليس في عصرنا، وحينئذٍ لا يبعد جريان الخيار.
الأمر الثالث: أنّه قد تكون بعض العيوب أشدّ من العيوب المعروفة المذكورة الموجبة لحقّ الخيار في الزوج أو الزوجة، كالابتلاء بالإيدز الذي هو من الأمراض المسرية المهلكة، وما أشبهه، فهل يجري فيها حكم الفسخ، أم لا؟
أقول: لا يبعد جريانه فيها؛ لُامور:
أوّلها: التمسّك بقياس الأولوية وبالملاك؛ فإنّ أحكام العيوب وإن كانت تعبّديةً مأخوذة من الشارع الحكيم، ولكن من الواضح أنّ ملاكها عدم إمكان المعاشرة بعنوان الزوج، أو الزوجة، أو كونه صعباً جدّاً، فلو وجد بعض الأمراض يكون كذلك، أو أشدّ، فلماذا لا يجري فيه حكم الفسخ من ناحية الزوج أو الزوجة مع أنّ الإيدز أو شبهه كذلك قطعاً؟!