مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٩٤
إنّ هناك حالة نفسانية ثابتة في نفس الفقيه تمنعه عن مخالفة ما كان في كلمات الأصحاب من المسلّمات و يعدّ خلافه غريبا. و لذا ترى أنّه كثيرا ما يذكر في الفقه بالنسبة لأمر ما ككون نتيجة المعاطاة الإباحة مثلا، أو الأخذ بقاعدة لا ضرر في مورد مّا، أنّه يلزم منه تأسيس فقه جديد، و يجعل هذا دليلا على بطلان ذاك الأمر. و الّذي يظهر من القرائن المحفوفة بكلماتهم و من سوابق هذا الكلام و لواحقه في الموارد المختلفة أنّه ليس المقصود بذلك إبطال ذاك الأمر بعموم أو إطلاق أو إجماع، و إلاّ لقالوا: إنّ هذا ينافي العموم الوارد في نصّ كذا أو الإطلاق أو الإجماع، فالظاهر أنّ مقصودهم بذلك دعوى ما هو أقوى من الإجماع و هو أنّ الالتزام بذاك الأمر يستلزم الالتزام بعدّة أمور يكون الالتزام بمجموعها خلاف الضرورة الفقهيّة و المسلّمات عند الأصحاب، و خلاف ما هو مقطوع به لغاية وضوحه، و لا يمكن التفصيل بين بعض تلك الأمور و بعض لأنّ كلّها من واد واحد، و نسبة الدليل إليها على حد سواء فنستكشف من ذلك إجمالا بطلان ذاك الدليل و ظهور خلافه عند الأصحاب بنحو يعدّ ذلك فقها جديدا.
و كأنّ هذه الحالة (أعني حالة رفض مخالفة المسلّمات عند الأصحاب) موجودة في نفوس علماء العامّة أيضا بالنسبة لمسلّمات عصر الصحابة مثلا، فيرون مخالفة ما كان مسلّما في عصر الصحابة شيئا لا يقبله الطبع.
و من هنا يقع الفقيه في حرج عند ما تقع المنافاة بين هذه الحالة النفسيّة له، و مقتضى الأدلّة و القواعد.
و كأنّ ما صدر من العامّة من سدّ باب الاجتهاد و حصره في دائرة علمائهم الأربعة و بعض تلامذتهم كان الدافع لهم إليه في الواقع هذه الحالة النفسيّة الكامنة في نفوسهم حيث أنّ سدّ باب الاجتهاد و حصره في تلك الدائرة يعالج لهم تلك المشكلة، إذ لا تقع بعد هذا مخالفة بين الأدلة و تلك الحالة النفسيّة، لأنّ الفقهاء الأربعة لم يخالفوا مسلّمات الصحابة