مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٩٢
الابتدائي لذلك هو ما يقال من أنّه إذا لم يجب التبيّن عند مجيء العادل بالنبإ، فإمّا أن لا يجب التبيّن عنه و لا يعمل به أيضا، أو أنّه يعمل به بلا تبيّن. و الأوّل يستلزم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق، و هو باطل بالضرورة، فيتعيّن الثاني.
و ذكر الشيخ الأعظم - قدّس سرّه - أنّ تخيّل الحاجة إلى لزوم الأسوئيّة مبني على تخيّل أنّ وجوب التبيّن هنا وجوب نفسي فيقال: إنّ غاية ما يقتضيه المفهوم هو انتفاء هذا الوجوب النفسيّ، و أمّا حجّية النبأ فلا تفهم بذلك إلاّ بعد إضافة أنّه لو لا حجّيته لزم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق. و لكن حمل وجوب التبيّن على الوجوب النفسيّ غير صحيح، و لو صحّ لما صحّ القول بأنّ عدم حجيّة خبر العادل مع عدم وجوب التبيّن يستلزم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق، إذ لعلّه أوجب اللّه تعالى التجسّس عن خبر الفاسق لفضحه و كشف كذبه عن صدقه، و لم يوجب التجسّس عن خبر العادل، فهذا نحو مجاملة و احترام له و لطف به. هذا بناء على الوجوب النفسيّ، أمّا إذا حملنا الوجوب على الوجوب الشرطي - كما هو الصحيح - فهذا يعني أنّ العمل بخبر الفاسق مشروط بالتبيّن، و يدلّ بالمفهوم على أنّ العمل بخبر العادل غير مشروط بالتبيّن، و هذا يعني حجّية خبر العادل بلا حاجة إلى ضمّ لزوم أسوئية حال العادل لو لا الحجّيّة.
و مقصود الشيخ رحمه اللّه من كون التبيّن شرطا للعمل بخبر الفاسق - على ما يتراءى من عبارته - كونه شرطا للعمل بخبر الفاسق بلحاظ عالم المولوية.
فمن الواضح أنّ التبيّن ليس شرطا في وجود العمل بخبر الفاسق تكوينا، و إنّما هو شرط لوجوده بحسب لحاظ المولى، فكأنّ المولى قسّم العمل بخبر الفاسق إلى قسمين: العمل بلا تبيّن و العمل بتبيّن، و قد حرّم القسم الأوّل مولويّا، فبنظره التحريمي كأنّه أعدمه في الخارج فبعد إعدام القسم الأول إعداما