مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٤٢
آية النفر لا يناسب وجود النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في مكّة، إذ في ذلك الزمان كان المسلمون قليلين و مضطهدين و مبتلين بالأذايا و المحن من قبل الأعداء ملتفّين حول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و لا معنى لأن يخاطب مثل هؤلاء بمثل قوله تعالى: فلو لا نفر من كلّ فرق منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون، و إنّما يناسب ذلك مع انتشار الإسلام و كثرة المسلمين، و وجودهم في الأقطار و القدرة على التخطيط للدعوة و التبشير في المناطق، فبمجموع ذلك نطمئنّ أنّ هذه الآية نزلت أيضا في المدينة.
و أمّا الآيتان الدالتان على عدم حجّية الظنّ بحسب الفرض فهما بحسب السياق مكّيتان، إذ أدرجت كلّ منهما في سورة مكّيّة مضافا إلى أنّ آية النهي عن العمل بغير العلم أثبتت في وسط آيات كثيرة كلّها تبيّن الأمور التي تكون قريبة المأخذ من العقل العملي و الفطرة، و بتتبّع الآيات المدنيّة و المكّيّة بالدقّة يعرف أنّ الآيات المكيّة عادة قريبة المأخذ من الفطرة و العقل العملي، و أنّ الآيات المدنية نزلت بعد أن كانت مطالب العقل العملي مفروغا عنها، فهي تبيّن مطالب أخرى. و آية الردع عن الظنّ وردت في مقام التعريض بعقائد المشركين، و الآيات التي تكون هكذا هي غالبا مكّية باعتبار أنّ الإسلام في مكّة كان ابتلاؤه مع المشركين، و في المدينة كان أغلب مناقشاته و ألوان احتجاجه مع المسيحيّين و اليهود. فإن حصل الاطمئنان من مجموع هذه القرائن بكون الآيتين مكيتين، أو قلنا بأنّ إدراجهما في سورة مكيّة أمارة تعبّدية على ذلك، فقد تمّت الصغرى.
و أمّا الكبرى، فهي عبارة عن القول بأنّه إذا دار الأمر في الأدلّة الواردة في عصر التشريع بين تخصيص الدليل المتأخر تخصيصا أفراديا - و أعني به ما في مقابل التخصيص الأزماني أو النسخ - و تخصيص الدليل المتقدّم تخصيصا أزمانيا - و أعني به النسخ -، فالمتعين هو النسخ. و سيأتي البحث