مباحث الأصول - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٥٢
لا يخلق في ذهنه نتيجة للعلم بالوضع، إذ هو لا يتعقّل حتى الآن معنى الوضع و معنى الدلالة و المدلولية و نحو ذلك، و ليس حال هذا الطفل حال الرّجل الكبير الفيلسوف الّذي يدخل بلدا و يصبح بصدد التتبّع عن استعمالات كلمة الماء من قبل أبناء اللسان، فإذا رأى تبادر معنى لهم من هذه الكلمة جعل ذلك دليلا على الوضع.
فهذا الطفل رغم عدم تصوّره للوضع فضلا عن علمه به، قد تكوّن لديه التبادر، و لم يكن التبادر لديه معلولا لعلم ثابت له في الرتبة السابقة عليه بالوضع، و بعد هذا حينما يكبر الطفل و يعرف أنّ هناك لغة و لفظا و معنى و وضعا يستنتج من نفس التبادر الموجود لديه أنّ كلمة الماء موضوعة للمعنى الفلاني، فقد مرّ كلّ واحد منّا بدور استنتاج الأوضاع من التبادرات، حتى أولئك المشكلون بالدور قد مرّوا بهذه المرحلة و استخدموا هذه العلامة من دون أن يقعوا في الدور. هذا مثال وجداني لتوضيح الفكرة.
و أمّا حقيقة الفكرة في المقام فلا يسعنا تفصيل الكلام فيها هنا، فإنّ هذه الفكرة مستقاة من مباني و تحقيقات في بحث الوضع، و كان ينبغي جعل بحث الوضع مقدّمة لبحث الظواهر، و لكنّنا ما دمنا نبحث وفق المنهج الرسمي المتعارف لبحث الأصول، فقد حصل الفصل بين بحث الوضع و بحث الظواهر، و على أي حال فنحن نذكر المدّعى هنا بنحو الإجمال و نستنتج منه النتيجة المقصودة:
إنّ في بحث الوضع مشكلة عويصة جدا و هي كيف نفسّر علاقة اللفظ بالمعنى؟ و هذه العلاقة أمر حقيقيّ لا مجرّد اعتبار أو خيال، بدليل أنّ تصوّر أحدهما يخلق حقيقة تصوّر الآخر في الذهن، فهناك علّية و معلوليّة حقيقية بين الأمرين، أعني تصوّر اللفظ و تصوّر المعنى، و ليست علّية و معلوليّة اعتبارية فرضيّة من قبيل أن تعتبر النار علّة للبرودة بينما لا تترتّب البرودة