معرفت قرآنى (يادنگار آيت الله محمد هادي معرفت) - كنگره بزرگداشت آيت الله معرفت - الصفحة ٣٠٠ - القسم
أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.[١]
كيف تجد صدره يصف أهل الكتاب بالعلم، علي سبيل التوكيد القَسَمي،[٢] و آخره ينفي عنهم، حيث لم يعملوا بعلمهم.[٣]
و من ظريف فنون البلاغة- هنا- أنّهم قد يقيمون من لا يكون سائلًا مقام من يسأل فيصوغون الكلام معه صياغة السائل الملحّ. إذا كانوا قد قدّموا إليه ما يلوح مثله للنفس اليقظي، فيتركها مستشرفة له استشراف الطالب المتحير، يتميل بين إقدام للتلويح و إحجام، لعدم التصريح، فيخرجون الجملة إليه مصدّرةً ب- «إنّ» و يرون سلوك هذا الأسلوب في أمثال هذه المقامات من كمال البلاغة و أظرفها!
و استشهد السكاكي لذلك بما سلكه بشّار[٤] في رائيته:
|
بِكرا صاحِبَي قبل الهجير |
إنّ ذاك النجاح في التبكير |
|
حين استهواه التشبّة بأئمة صناعة البلاغة، المهتدين بفطرتهم إلي تطبيق مفاصلها، و هم الاعراب الخُلّص.
روي الأصمعي[٥] أنّ خَلَف الأحمر[٦] قبّل بين عيني بشّار، بمحضر أبي عمرو بن العلاء،[٧] حين استنشداه قصيدته هذه. إذ قال له خلف بعد ما أنشد القصيدة: لو قلت- يا أبا معاذ- مكان «إنّ ذاك النجاح»: «بكرا فالنجاح في التبكير»، كان أحسن!
فقال بشّار: إنّما قلتها أعرابية وحشية،[٨] فقلت: «إنّ ذاك النجاح في التبكير» كما يقول الأعراب البدويون! و لو قلت: «بكرا فالنجاح في التبكير» كان هذا من كلام
[١] . البقرة، آيه ١٠٢.
[٢] . و ذلك حيث قوله:« وَ لَقَدْ عَلِمُوا»، فإنّه من تقدير القسم بدليل اللام، و سيأتى الكلام عنه.
[٣] . يوسف سكاكى، مفتاح العلوم، صص ٨٢- ٨٠.
[٤] . كان يمدح المهدى بن منصور و أمر بقتله سنة ١٦٨ لماقد بلغه من هجاه و قد بلغ من العمر فوق التسعين.
[٥] . هو عبدالملك بن قُريب- مصغّراً- النحوى البصرى صاحب النوادر و الملح. توفى ستة ٢١٦.
[٦] . هو أبو محرز الشاعر صاحب البراعة فى الآداب. كان راوية ثقة علامة، يسلك و اوضحا المذاهب و بينا المعالم قال الأخفش: لم ندرك احداً أعلم بالشعر من خلف الأحمر و الأصمعى( الصفدى، الوافى بالوفيات، ج ١٣، ص ٢١٩، رقم ٤٠٨٥) طريقه و يحذو حذوه. قيل إنّه معلّم الأصمعى. حمل عنه ديوانه أبو نؤاس. و توفى حدود ١٨٠. كان هو و الأصمعى فتقا المعانى.
[٧] . توفى سنة ١٥٤.
[٨] . يعنى: على أساليب العرب الأوائل قبل تحضّرها.