تفصيل الشريعة- كتاب الطهاره( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٦٣٣
مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُواْ» الآية، والمراد من اتّخاذهم أرباباً ليس ما هو ظاهره؛ لعدم قولهم بالوهيّتهم؛ لما روي عن الثعلبي، عن عدي بن حاتم- فيحديث- قال:
انتهيت إليه- يعني إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله- وهو يقرأ سورة البراءة، فقرأ هذه الآية: «اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبنَهُمْ أَرْبَابًا مّن دُونِ اللَّهِ» حتّى فرغ منها، فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرِّمون ما أحلّ اللَّه فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم اللَّه فتستحلّونه؟ قال: قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم [١].
فإنّ المستفاد من الرواية أنّ إطلاق المشرك على النصارى إنّما كان بنحو من العناية والتسامح، لا بنحو الحقيقة؛ فإنّ تبعيّتهم فيالتحليل والتحريم لا تكون عبادتهم حقيقة، فلا يتحقّق الشرك فيالعبادة كذلك. ومن المعلوم أنّ المراد من المشركين فيالآية الكريمة، التي هي محلّ البحث، هو المشركون بالمعنى الحقيقي، فلا تشمل الآية من يطلق عليه المشرك مجازاً ومسامحة.
مع أنّ النصارى- على ما يستفاد من الآيات الواردة فيهم- طوائف مختلفة، قال اللَّه- تعالى مخاطباً لعيسى-: «ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ» [٢]. وقال- تعالى-: «لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلثَةٍ» [٣].
وقال: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ» [٤]، وغير ذلك من الآيات الواردة فيهم، ولا يمكن لنا إثبات الشرك لجميع طوائفهم، ولا إثباته
[١] المعجم الكبير للطبراني ١٧: ٩٢ ح ٢١٨، الكشف والبيان، المعروف تفسير الثعلبي ٥: ٣٤، مجمع البيان ٥: ٤١، وعنه بحار الأنوار ٩: ٩٨.
[٢] سورة المائدة ٥: ١١٦.
[٣] سورة المائدة ٥: ٧٣.
[٤] سورة المائدة ٥: ٧٢.