الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥١٦ - الأولى النهي عن التظليل و الاستظلال
..........
نقيم على عبادتها مداومين [١]، و ما في الجلالين- في تفسير الآية- (من قوله: نقيم نهارا على عبادتها) غير واضح، و يؤيده قوله سبحانه: إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوٰاكِدَ عَلىٰ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِكُلِّ صَبّٰارٍ شَكُورٍ. [٢] أي إن يشأ اللّه أن يسكن الريح فتبقى السفن واقفة راكدة على ظهر الماء لا يبرحن عن المكان. [٣] و من المعلوم أنّ عدم مجيء الريح لا يختص بالنهار، بل يعمّ النهار و الليل.
و قد فسره السيوطي في الجلالين بمثل ما ذكرنا و قال: يصرن رواكد ثوابت لا تجري.
و أمّا الظّل- بالكسر- فهو بمعنى الفيء غالبا لا دائما بشهادة قوله: وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَ ظَنُّوا أَنَّهُ وٰاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مٰا آتَيْنٰاكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اذْكُرُوا مٰا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. [٤]
أي قلعنا الجبل من أصله فرفعناه فوق بني إسرائيل كأنّه سقيفة، فظنوا أنّه واقع بهم فهو ليس بمعنى الفيء، بل بمعنى الشيء الذي لو وقع عليهم لقتلهم.
و في اللغة أيضا شواهد على وجود هذا المعنى بين أهل اللغة، ففي لسان العرب: الظلّ ما سترك من فوق، و ظلال البحر: أمواجه، لأنّها ترفع فتظل السفينة و من فيها، و المظلة: بيوت الأخبية، و كل ما أكنّك قد أظلّك. و قوله: فتظل السفينة أي تسترها، لا أنّها تفيئها.
و في الروايات ما يشهد على ذلك، حيث استعمل في الاستتار عن المطر، ففي رواية علي بن محمد القاساني قال: كتبت إليه عن المحرم هل يظلل على نفسه
[١]. مجمع البيان: ٣/ ١٩٦.
[٢]. الشورى: ٣٣.
[٣]. مجمع البيان: ٥/ ٣٢.
[٤]. الأعراف: ١٧١.