معرفت قرآنى (يادنگار آيت الله محمد هادي معرفت) - كنگره بزرگداشت آيت الله معرفت - الصفحة ٢٩٨ - القسم
و عن بعض الأعراب أنّه لمّا سمع قوله تعالي: «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ* فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ»،[١] صَرَخ و قال: من ذا الذي أغضب الجليل حتّي ألجأه إلي اليمين؟!
و من ثمّ فقد يقوم مقام القسم ما يؤدي معناه فيجاب كما يجاب القسم و سيأتي.
إذن فاليمين نوع توكيد، جرت عليه اللغة و أساليب الكلام، لكنّه توكيد بليغ قد بلغ غايته في تحقيق الخبر. و من أصول البلاغة: مضاعفة التوكيد حسب تصاعد درجة الإنكار أو تراكم الشُّبه.
قالوا: من ضرورة البلاغة في الكلام، إلقاؤه حسب مقتضي الحال و المقام. فإنّ للكلام مقامات متفاوتة. قال السكاكي (ت ٤٦٤): مقام الكلام ابتداءً يغاير مقام الكلام بناءً علي الاستخبار أو الإنكار، و مقام البناء علي السؤال يغاير مقام البناء علي الإنكار و كذا مقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي: و لكلّ من ذلك مقتضي غير مقتضي الآخر. و ارتفاع شأن الكلام- في باب الحسن و القبول- و انحطاطه في ذلك، بحسب مصادفة الكلام لما يليق به، و هو الذي نسمّيه: «مقتضي الحال». فإن كان مقتضي الحال إطلاق الحكم، فحُسن الكلام تجريده عن مؤكدات الحكم، و ان كان مقتضي الحال بخلاف ذلك، فحُسن الكلام تحليته بشيئ من ذلك بحسب المقتضي ضعفاً و قوةً.
قال:
فإذا ألقي الجملة الخبرية إلي من هو خالي الذهن عمّا يلقي إليه، ليحضر طرفاها عنده و ينتقش في ذهنه. كفي ذلك الانتقاشَ حكمُه. قال الشاعر:
|
أنا في هواها قبل أن أعرف الهوي |
فصادف قلبي خالياً فتمكنا |
|
فتستغني الجملة عن مؤكدات الحكم، و سمّي هذا النوع من الخبر ابتدائياً.
و إذا ألقاها الي طالبٍ لها، متحيرٍ طرفاها عنده دون الاستناد، فهو منه بين بين لينفذه عن ورطة الحيرة، استحسن تقويته بتوكيد، مثل إدخال اللام في الجملة أو «إنّ». نحو: لزيد عارف أو إنّ زيداً عارف. و سمّي هذا النوع من الخبر طلبياً.
أمّا إذا ألقاها إلي معتقد خلافه ليردّه إلي الصّواب، استوجب ذلك توكيده بحسب ما أشرب من درجة الإنكار. نحو: إنّي لصادق، لمن ينكر.
صدقك إنكاراً ... و إنّي لصادق، لمن يبالغ في إنكار صدقك. و «والله إنّي
[١] . الذاريات، آيات ٢٣- ٢٢.