اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٦١ - تحقيق الحقّ في الشكّ في الرافع والمقتضي
وأمّا بحسب الملاحظة الثانية- أي إضافتها إلى الخارج- فاليقين مبرم محكم ذاتاً دون الشكّ والظنّ، فكأنّ اليقين حبل مشدود، أحد طرفيه على النفس وطرفه الآخر على المتيقّن ويكون حبلًا مبرماً مفتولًا مستحكماً وإن كانت مبادئ حصوله ضعيفة غير مستحكمة، بخلاف الظنّ والشكّ، فإنّهما بحسب هذه الإضافة غير محكمين ولا مبرمين وإن كانت مبادئ حصولها قويّة مستحكمة.
وبالجملة: امتياز اليقين عن الشكّ في كونه كالحبل المبرم دون الشكّ إنّما هو بحسب تعلّقها بالخارج، وهذا واضح.
وأمّا الجري العملي على طبق اليقين فهو خارج عن حقيقته، بل يكون من آثاره وأحكامه العقليّة أو العقلائيّة، فلا يكون إبرامه واستحكامه متفرّعين على الجري العملي، بل هو تابع لهما، وكذا إبرامه واستحكامه وكونه كالحبل المشدود دون الشكّ لا ارتباط لها بالمتيقّن، بل هي من مقتضيات ذاته، سواء تعلّق بأمرٍ مبرم أو غيره، كما أنّ الشكّ غير مبرم بأيّ شيء تعلّق.
فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ الإبرام والاستحكام من مقتضيات ذات اليقين، وأنّ مقابلهما من مقتضيات ذات الشكّ في حال ملاحظتهما متعلّقين بالخارج ومضافين إلى المتعلّق، ولا يكون الإبرام والاستحكام عارضين له من المتيقّن، ولا من وجوب الجري العملي على طبقه، كما أنّ اليمين المؤكّد يتوهّم له إحكام وإبرام باعتبار نفس ذاته المضافة إلى المتعلّق، ففي قوله تعالى: «وَ لَاتَنقُضُوا الْأَيْمنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا» [١] إنّما نسب النقض إليها لا باعتبار كونها من الكيفيّات المسموعة القائمة بنفس المتكلّم، ولا باعتبار كون متعلّقها أمراً مستمرّاً مبرماً،
[١] النحل: ٩١.