تفصيل الشريعة- كتاب الطهاره( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٥٧٦
ولكن يرد عليه أوّلًا: أنّ هذه الروايات- على فرض كونها كما زعمها- لا تدلّ على أكثر من أنّ غاية الحرمة فيما غلى بنفسه ليست هي ذهاب الثلثين، بل ذهابهما غاية فيما إذا غلى بالنار، وانطبق عليه عنوان المطبوخ وشبهه، وكيف يمكن استفادة مسكريّة العصير المغليّ بالنفس من الاختلاف من جهة الغاية؟
كما هو واضح.
وثانياً: أنّ ما أفاده من أنّ الغليان إذا اسند إلى الشيء كان المراد به هو حصوله بنفسه لا بالسبب، ممّا لا يتمّ ولا يساعده الدليل؛ فإنّ المتبادر من الغليان- عرفاً ولغةً- هو الفوران والقلب بقوّة، وهما لا يتحقّقان فيما غلى من قبل نفسه، مع أنّ كلمات اللغويّين مخالفة لما أفاده، ففي المنجد: غلت القدر:
جاشت بقوّة الحرارة [١]. وظاهره أنّ ما غلى بنفسه لا يطلق عليه الغليان حقيقة، وعن المجمع غلت القدر غلياناً: إذا اشتدّ فورانها [٢]، فليست مادّة الغليان ظاهرة في الغليان الحاصل من قبل نفس الشيء لو لم تكن ظاهرة في عكسه.
ودعوى: أنّه لا مجال لإنكار أنّ الغليان إذا اسند إلى الشيء مطلقاً وبدون ذكر السبب، يكون ظاهر إطلاقه ما يحصل للشيء من قبل نفسه.
ممنوعة؛ لأنّه إذا ذكر مطلقاً يكون مقتضى إطلاقه الشمول لجميع الأفراد على البدل؛ من دون فرق بين ما يحصل بنفسه، وما يتحقّق بالسبب، والانصراف يحتاج إلى كثرة الاستعمال، وهي غير متحقّقة فيه لو لم نقل بتحقّقها في ما يحصل بالسبب، كما لا يخفى.
أضف إلى ذلك ما أفاده بعض الأعلام من أنّ الغليان لا يعقل أن يستند
[١] المنجد: ٥٥٨.
[٢] مجمع البحرين ٢: ١٣٣٣.