الحج في الشريعة الإسلامية الغراء - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٢٥ - الرابعة النهي عن ركوب القبة
..........
و على ضوء ذلك يشكل التمسّك بإطلاق ما ورد من النهي عن ركوب القبة و الكنيسة للقول بحرمة ركوبهما في الليل. و كأنّ السيرة المستمرة في تلك الأعصار قرينة حاليّة تمنع عن انعقاد الإطلاق فيما دلّ على المنع من ركوب القبّة، هذا و للنظر فيما ذكر مجال:
أوّلا: تخصيص سير القوافل بالنهار، و إقامتهم باللّيل خلاف ما يظهر من الذكر الحكيم حيث إنّه سبحانه يخبر بأنّ السائرين في الليل يهتدون بالنجوم في البرّ و البحر، قال سبحانه: وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهٰا فِي ظُلُمٰاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ [١]، و لو لا وجود السير في الليل في الجزيرة العربيّة و غيرها، لما أخبر سبحانه عن استهداء القوم بالنجوم ليلا.
و ثانيا: فلو صحّ ما ذكر فإنّما يصحّ في الطرق البعيدة و المسافات غير المعبّدة، إذ كانت القوافل تسير في النهار و تقيم في الليل، و أمّا في الطرق القصيرة و المسافات القريبة،- كما هو الحال في أكثر المواقيت بالنسبة إلى الحرم المكي- فالليل و النهار فيها سواء بالنسبة إلى القوافل، و قد مرّ في الجزء الثاني عند البحث عن المواقيت أنّ الفاصل المكاني بين الحرم و قرن المنازل، هو ٧٥ كيلومترا، و بينه و بين يلملم ١٠٠ كيلومتر، و بينه و بين الجحفة ٨٧ كيلومترا، و قريب منه بينه و بين ذات عرق، فقلة المسافة من جانب، و تردد القوافل بينها عبر السنة من جانب آخر صارا سببا لصيرورة الطريق معبّدا، واضح المعالم، بعيدا عن الضواري و السباع فيحلو السفر في الليل كالنهار.
و أمّا الروايات فهي محمولة على المسافات البعيدة، و الطرق الوعرة، أو على أنّ تحديد المسافة ببياض يوم أوضح و أبين من تحدده بالليل.
[١]. الأنعام: ٩٧.