الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ١٦ - الکهانة لغةً
بدّ من کونها ملکةً له و وسيلةً لکسب المال، فيخرج عنها ما کان تفريحاً أو مثله. و منها: أنّ الحکم فيها قطعيّ لا احتمالي؛ لأنّه نسب ذلك إلي الغيب١، فمع هذه القيود تحرم و إلّا فلا، هذا من حيث اللغة. و أمّا الاصطلاح فسيأتي البحث عنها.
قال الشهيد محمّد الصدر رحمه الله : "يبدو من مراجعة التوراة المتداولة أنّ موسى علِیه السلام هو أوّل من أسّس الكهانة. و لم تكن يومئذٍ شيئاً غير صالح، بل كانت تشبه معنى "رجل الدين" أو "سادن"٢ المسجد أو الحرم. و ذلك أنّه بعد العبور و الذهاب إلى فلسطين أرض كنعان، جعل النبيّ موسى علِیه السلام لهم هناك خيمةً كبيرةً للتعبّد العامّ أو ما يوازي المسجد في المفهوم الإسلامي. و سمّاها حسب قول التوراة خيمة الاجتماع.
و الظاهر أنّها هي التي ورد اسمها في دعاء السمات قبّة الزمان. و كانت هذه الخيمة تحتاج إلى عناية لا يتوفّر للنبيّ موسى علِیه السلام القيام بها. فأوكلها إلى أخيه هارون علِیه السلام . فأصبح منذ ذلك الحين سادناً لخيمة الاجتماع. و حسب المعروف في التاريخ أنّها ثاني بيت بني للعبادة بعد تجديد الكعبة المشرّفة من قبل إبراهيم الخليل علِیه السلام . و منذ ذلك الحين سمّي سادن خيمة الاجتماع كاهناً".٣
قال بعض العلماء رحمه الله : "التحقيق: أنّ هذه اللغة٤ مأخوذة من العبريّة و السريانيّة و الآراميّة٥ و كان هذا المعنى متداولاً فيما بينهم من زمان موسي علِیه السلام فإنّ هارون أخاه كان نبيّاً و له نفس زاكية قدسيّة إلهيّة، يتكلّم و يعمل بقوّة روحانيّة لاهوتيّة و كان في الشريعة تابعاً لأخيه و يعينه و يشدّ عضده. فهو بسبب هذه المرتبة الروحانيّة كان حائزاً قهراً مقام الكهانة. و يراد به المقام الروحانيّ المرتبط بالغيب، المتجليّة عنه أشعّة هذه النورانيّة. و
١. لا يخفي أنّه يستفاد من قولهم "القضاء بالغيب" أنّ إخبارهم ادّعاء أنّه من طريق غير عادي، مثل الارتباط بالجنّ و أمثاله، لا إخبارهم بذلك بالتجربة و الفهم العقلائي.
٢. أي: خادم.
٣. ما وراء الفقه٣: ٧٧.
٤. الکهانة.
٥. فرقة من عنصر سامي من أولاد آدم علِیه السلام خامس أولاد سام، ساکنون بالسورية و بين النهرين.