كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٥٦١ - الجواب الثاني عن إشكال استحقاق العقاب
و الإطاعة هما من اللوازم الذاتية لذات العاصي و ذات المطيع، و السؤال المذكور شبيه بسؤال لم صار الإنسان إنسانا أو ناطقا و صارت الأربعة زوجا.
و بالجملة: العقاب هو من اللوازم الذاتية للبعد عن المولى سبحانه، و ليس من باب الاستحقاق نظير الشخص الذي يبذر في الأرض بذورا رديئة، فإن الثمر يخرج رديئا أيضا، و لا معنى للسؤال: لم صار الثمر رديئا بعد ما كانت رداءة الثمر من اللوازم الذاتية لرداءة البذر.[١]
[١] هذا الجواب قد أشار قدّس سرّه إلى مضمونه في الجزء الأوّل من الكفاية في مبحث الطلب و الإرادة. نعم هناك ذكر هكذا: إنّ العقاب هو من اللوازم الذاتية للكفر الناشئ من الاختيار الناشئ من الشقاوة الذاتية التي هي لازمة للذات بلا حاجة إلى جعل، و هنا قد جعل العقاب من اللوازم الذاتية للبعد الناشئ من قصد المعصية الناشئ عن سوء السريرة الناشئ عن الشقاوة الذاتية التي هي من اللوازم الذاتية للذات.
و يمكن أن نعلّق على ما أفاده بما يلي:
١- إن الجواب الأوّل يتنافى مع الجواب الثاني، ففي الأوّل ذكر أن العقاب الذي يستحقّه المتجرئ هو على القصد، بينما في هذا الجواب جعل العقاب على البعد و من لوازمه الذاتية.
و أيضا التزم قدّس سرّه في الجواب الأوّل بأن العقاب هو من باب الاستحقاق، فالمتجري يستحقّ العقاب، و من هنا وقع في إشكال، و هو أن القصد إذا لم يكن اختياريا فالعقاب على ما ذا؟ بينما هنا التزم بأن العقاب ليس هو من باب الاستحقاق بل هو من باب اللازم الذاتي الذي لا ينفكّ، كالثمر الرديء، فإنه لازم ذاتي للبذر الرديء. و ربما يمكن أن نعدّ هذا نحو تناف بين الجوابين.
٢- إن خالق الذات خالق للوازمها الذاتية أيضا، فخالق الأربعة خالق لزوجيتها، و هذا يعني أن الأمر الذاتي هو ذو علة إلّا أن علته هي نفس العلة الموجدة للذات و لا يحتاج إلى علة أخرى، و هذا هو معنى الذاتي لا يعلّل، فإنه ليس المقصود أن الأمر الذاتي لا يحتاج إلى علة رأسا و إنما لا يحتاج إلى علة مغايرة للعلة الموجدة للذات.-- و بناء على هذا يكون الإشكال باقيا، إذ مثل يزيد و معاوية يبقى يتساءل قائلا: لم أوجدت يا ربي شقاوتي الذاتية، فإنك بإيجادي قد أوجدت شقاوتي الذاتية.
٣- إن الآيات الكريمة واضحة في أن العقاب هو من باب الاستحقاق لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ( البقرة: ٢٨٦) و ليس من باب اللوازم الذاتية التي لا معنى للاستحقاق فيها.
٤- إن لازم ما ذكره بطلان فكرة الشفاعة و التوبة و المغفرة و العفو، لأن الأمر الذاتي لا يمكن زواله بمثل ما ذكر، فيلزم عدم إمكان زوال العقاب بالشفاعة و نحوها.