كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٣٧٤ - النزاع الأول
و النزاع في الشكلين الأوّلين عقلي، لأنه نزاع في الإمكان و الاستحالة، و الحاكم فيهما هو العقل، فهو الذي يحكم بالإمكان أو بالاستحالة، و هذا بخلافه في الشكل الثالث، فإنه نزاع في الدلالة، و المرجع فيه العرف و اللغة، فالنزاع فيه عرفي و لغوي.
النزاع الأوّل:
أما النزاع بالشكل الأوّل فالمناسب فيه التفصيل بين التكليف الجدي الحقيقي و التكليف الانشائي، فإذا كان التكليف حقيقيا- بمعنى أنه مجعول بداعي التحريك و الزجر- فهو لا يمكن تعلّقه بالمعدوم، لأن التكليف الحقيقي يشتمل على الطلب الحقيقي، و هو لا يمكن أن يتعلّق بالمعدوم.[١]
و أما إذا كان التكليف انشائيا- أي لا يشتمل على زجر فعلي و تحريك فعلي- فيمكن تعلّقه بالمعدوم، لأن الإنشاء مجرد اعتبار، و الاعتبار سهل المئونة.
و قد تسأل عن فائدة إنشاء التكليف في حقّ المعدوم، فهل هناك فائدة؟ و لما ذا لا ينتظر إلى أن يوجد و بعد ذلك يوجّه إليه التكليف؟
نعم إن الفائدة في ذلك هي أن المولى بإنشاء خطاب واحد يستفيد فائدتين، فهو في حقّ الموجود يكون مفيدا للتكليف الفعلي، و في حقّ المعدوم يكون مفيدا للتكليف الانشائي، بمعنى أنه لو وجد فيصير في حقه فعليا بلا حاجة إلى إنشاء جديد، فإنشاء واحد يكتفى به في حقّ الاثنين معا.
و يوجد لهذا بعض الشواهد العرفية و العقلائية، من قبيل أن الواقف قد يوقف العين على البطون و يكون البطن الثاني معدوما حين إنشاء الوقف، إنه في
[١] كان من المناسب التعليل هكذا: إن التكليف الحقيقي حيث إنه يشتمل على زجر و تحريك، و المعدوم لا يمكن زجره و تحريكه فيلزم عدم إمكان ثبوته في حقه.