كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٣٥٤ - الدوران بين التخصيص و التخصص
و لكن هذا باطل، فإن الأصل المثبت ليس باطلا بشكل مطلق، و إنما الباطل هو الأصل العملي المثبت دون الأصل اللفظي المثبت،[١] و حيث إن أصالة عدم التخصيص هي من الأصول اللفظية فتكون حجة في لوازمها غير الشرعية.
و النكتة الصحيحة هي أن مدرك حجية الأصول اللفظية ليس هو إلّا السيرة العقلائية، و الذي نجزم بانعقاد السيرة عليه هو العمل بأصالة عدم التخصيص حينما نشكّ في أصل خروج الفرد من الحكم بعد الجزم بكونه فردا من الموضوع، فالعقلاء يعملون بالأصل المذكور في هذه الحالة، أي حالة الجزم بكون الفرد مصداقا للموضوع و الشكّ في خروجه من حكمه، كما لو كنّا نعلم بكون زيد مصداقا للفقير جزما و لكن نشكّ في خروجه من الحكم، إنه في مثله يتمسك العقلاء بأصالة عدم التخصيص كي يترتّب على ذلك شمول الحكم للفرد المشكوك، أما إذا انعكس الأمر و جزم بكون الفرد خارجا من الحكم
[١] هذا هو المعروف بين الأصوليين، حيث قالوا بوجود فرق بين الأصل العملي و الأصل اللفظي، فالأصل العملي هو حجة من باب التعبّد، و المستفاد من دليل حجية الاستصحاب مثلا هو أن الشرع يعبّدنا بالشيء و بلوازمه الشرعية، و أما ما زاد على ذلك فلا يستفاد منه التعبّد، و من هنا لم يتوهم أحد أن القرآن الكريم حينما عبّدنا بكون نساء النبي صلّى اللّه عليه و آله امّهات للمؤمنين إنه عبّدنا أيضا بجواز النظر إليهن، كلا، و ما ذاك إلّا لأن التعبد بشيء لا يستلزم التعبّد بلوازمه، بل يقتصر على مقدار التعبّد لا أكثر، و هذا بخلافه في الأصول اللفظية، فإن حجيتها ليست من باب التعبّد، بل من باب الظهور و الكاشفية، و من المعلوم أن الكاشفية عن الشيء و عن لوازمه هي بدرجة واحدة، لا أن الكاشفية عن أصل الشيء أقوى من كاشفيته عن لوازمه، فإذا كان الظهور حجة في إثبات المدلول المطابقي لأجل كاشفيته فيلزم أن يكون حجة في إثبات المداليل الالتزامية أيضا لثبوت نفس الدرجة من الكشف.
هكذا قد تبيّن نكتة الفرق، و قد تبيّن بشكل آخر، فإن بيان نكتة الفرق متعدد و مختلف.