كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٦١٦ - بحث فرضي
بالواقع على إجماله، و ليس بهذا بخصوصه حتّى يرد الإشكال، و لا بذاك بخصوصه حتّى يرد الإشكال.
ثمّ قال قدّس سرّه بعد ذلك: و إذا فرض أن شخصا اعترض و قال: إن الموافقة الالتزامية التي نقول بوجوبها هي ما كانت بنحو التفصيل و لا يكفي الالتزام بالواقع على إجماله فنجيبه و نقول له: إنه بناء على هذا يلزم أن نتنازل عن وجوب الموافقة الالتزامية و نخصّص وجوبها بالموارد الأخرى غير مورد الدوران بين المحذورين.
و دعوى أن الالتزام التفصيلي أمر ممكن، و ذلك بأن نلتزم بأحدهما بنحو التخيير، أي نقول للمكلف: يجب عليك أن تلتزم إما بخصوص الوجوب أو بخصوص الحرمة و لا يكفيك الالتزام بالواقع على إجماله، مدفوعة بوجهين:
١- إن الحكم الذي سوف يلتزم به المكلّف لعلّه هو ضدّ الحكم الثابت واقعا، فلعلّه يلتزم بالوجوب بينما الثابت في الواقع هو الحرمة مثلا، و من الواضح أن الالتزام بضد الحكم الثابت واقعا ليس أقلّ محذورا من عدم الالتزام رأسا.
٢- إن دليل كل حكم يقول: يلزمك أن تلتزم بي و لا يقول يلزمك أن تلتزم إما بي أو بغيري.
و عليه فالنتيجة المستحصلة من كل هذا: إن الموافقة الالتزامية لا دليل على وجوبها، و لو وجبت فيمكن تحقيقها في الدوران بين المحذورين من خلال الالتزام بالواقع على إجماله، و إذا لم نكتف بذلك فيلزم أن نرفع اليد عن وجوبها في المورد المذكور لا أن نلتزم بأحدهما على سبيل التخيير، و ذلك للوجهين.[١]
[١] يجدر في نهاية هذا الدرس الإشارة إلى الملاحظات التالية:-- ١- إن هذا البحث ليس أصوليا و إنما هو فقهي بحت، إذ يبحث فيه عن وجوب الالتزام بالتكاليف و عدمه، و هو كالبحث عن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و عدمه مثلا، فكما أن ذلك فقهي كذلك المقام.
نعم ذكر الشيخ الخراساني سابقا أننا سوف نبحث عن بعض أحكام القطع، و هذا البحث بحث عن بعض أحكام القطع، فهو قد ذكره لأجل هذه النكتة و إلّا فهو كما ذكرنا فقهي لا غير.
٢- إنه ربما يستثنى من هذا البحث الواجبات العبادية و يقال: إذا لم يلتزم بوجوبها قلبا فلا يمكن قصد القربة فيها، فينحصر الكلام على هذا الأساس بخصوص الواجبات التوصلية.
٣- إنه يمكن أن يقال: إن من لوازم إسلام الشخص التزامه بجميع أحكام الإسلام، إذ لو لم يلتزم بها لم يكن مسلما، و لكن يكفي أن يلتزم بها بنحو الإجمال، فإن لازم إسلام كل مسلم التزامه بنحو الإجمال بجميع أحكامه، و هو مطلب متحقّق في حق كل مسلم من حيث لا يشعر، و لا يبعد أن هذا هو مقصود الشيخ المصنف، فهو يريد أن يقول: إن الالتزام بأحكام الشريعة بمجموعها بنحو الإجمال أمر لازم جزما، و ليس هو مورد البحث، و إنما البحث هو بلحاظ الالتزام بكل حكم بخصوصه، و هذا لا دليل على وجوبه.
٤- إنه قد أطال في عبائره، و يمكن اختصارها كما يلي: موافقة التكليف التزاما ليست واجبة، لقضاء الوجدان بذلك و إن كان المناسب للمؤمن ذلك إلّا أنه شيء آخر غير استحقاق العقاب على عدم الالتزام.
ثمّ إنه على تقدير التسليم بوجوب الموافقة الالتزامية فهي واجبة حتّى في مورد الدوران بين المحذورين، لإمكان الالتزام بالواقع على إجماله، و إن أبيت إلّا عن لزوم الالتزام التفصيلي، و ذلك بالالتزام بأحدهما بنحو التخيير فيمكن أن يقال بأن المناسب على هذا عدم وجوب الالتزام حالة الدوران، إذ الالتزام بضد التكليف ليس أقل محذورا من ترك الالتزام رأسا، على أن كل تكليف يقتضي الالتزام به لا الالتزام به أو بضده.