كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٤٥٩ - عود على بدء
______________________________
-
و في الحديث: «قالت اليهود: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يعنون أن
اللّه قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئا فقال اللّه عزّ و جلّ: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
وَ لُعِنُوا بِما قالُوا». (بحار الأنوار ٤: ٩٦).
و في حديث آخر: «ردّ اللّه عليهم فقال: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ أي يقدّم و يؤخّر، و يزيد و ينقص، و له البداء و المشيئة». (بحار الأنوار ٤: ٩٨).
و أما بالنسبة إلى السؤال الثاني: فالبداء لو كان يقصد به ظهور ما خفي لزم الجهل على اللّه سبحانه، و لكنه يتحتّم أن نفسّره بغير هذا، أي بإظهار ما أخفاه، فقد يخفي سبحانه أن القضاء معلّق على أن لا يتحقّق شيء معيّن فإذا اتضح التعليق و ارتفاع القضاء سمي ذلك بالبداء تسامحا، فإنه حقيقة إبداء لا بداء.
و للتوضيح أكثر نقول: إن القضاء الإلهي على نحوين: حتمي لا يقبل التغيير و معلّق يقبل ذلك. و قد أشار القرآن الكريم إلى هذين النحوين بقوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ، و هو إشارة إلى الأوّل، وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ و هو إشارة إلى الثاني.
و البداء لا يقع في القضاء الإلهي الحتمي، فإنه لا يقبل التغيير حسب الفرض و إنما يقع في الثاني.
و قد جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال: «لو لا آية في كتاب اللّه لأخبرتكم بما كان و بما يكون و بما هو كائن إلى يوم القيامة، و هي هذه الآية:
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ». (بحار الأنوار ٤: ٩٧).
و بعد هذا فمن الغريب التشنيع على الشيعة بأنهم يقولون بالبداء بمعنى ظهور ما خفي، فلاحظ كلام الرازي في هذا المجال.
حيث ذكر عند تفسير آية (٣٩) من سورة الرعد ما نصه: (المسألة الخامسة: قالت الرافضة: البداء جائز على اللّه تعالى، و هو أن يعتقد شيئا ثمّ يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده، و تمسكوا فيه بقوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ.
و اعلم أن هذا باطل، لأن علم اللّه من لوازم ذاته المخصوصة، و ما كان كذلك كان دخول التغيير و التبدل فيه محالا).-