كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٤٥٨ - عود على بدء
و أما إذا بني على النسخ فالفقير الفاسق لا يجوز إكرامه إلى حين صدور العام.
إذن بناء على التخصيص لا يوجد فرق بين الحالة الأولى و الحالة الثانية، ففي كلتيهما لا يجوز إكرام الفقير الفاسق في جميع الأوقات، و الفرق يظهر بناء على النسخ، ففي الحالة الأولى يجب إكرام الفقير الفاسق في الفترة المتخللة إلى أن يصدر الخاص فيحرم الإكرام، بينما في الحالة الثانية لا يجوز إكرام الفقير الفاسق في الفترة المتخللة إلى أن يصدر العام فيجب آنذاك إكرامه.[١]
[١] توضيح يرتبط بالبداء:
فكرة البداء قد وقعت محلا للخلاف، فاليهود مثلا ذهبوا إلى استحالته و قالوا: إن القضاء الإلهي إذا تقرر و ثبت فلا يمكن تبديله و انعقاد المشيئة الإلهية بخلافه.
و ممن أنكر فكرة البداء العامة و شنّعوا على الشيعة بقولهم بإمكان البداء.
و قد تابع الشيعة في قولهم بإمكان البداء أئمّتهم من أهل البيت عليهم السّلام، حيث جاءت الروايات الكثيرة التي تؤكّد الفكرة المذكورة.
و توجد في المقام تساؤلات ثلاثة هي:
١- ما هو الأساس الذي تقوم عليه فكرة البداء؟
٢- هل فكرة البداء تستلزم الجهل على اللّه سبحانه؟
٣- لما ذا التأكيد الشديد من قبل أئمّة أهل البيت عليهم السّلام على فكرة البداء حتّى قيل:« ما عبد اللّه بشيء مثل البداء»( الكافي ١: ١٤٦/ ١)،« ما عظّم اللّه بمثل البداء»؟( الكافي ١: ١٤٦/ ذيل الحديث ١).
أما بالنسبة إلى السؤال الأوّل: فجوابه أن فكرة البداء تقوم على أساس أن جميع العالم هو تحت قبضة اللّه سبحانه و إرادته و مشيته، فلو فرض أن القضاء الإلهي عند جريانه و انعقاده على شيء لا يمكن طرو أي تغيير عليه فذلك يعني أن العالم خارج عن اختيار اللّه سبحانه في مرحلة البقاء. و من هنا ردّ عزّ و جلّ على اليهود- حينما قالوا بعدم إمكان طرو التغيير على القضاء الإلهي- بقوله: وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ( المائدة: ٦٤).-- و في الحديث:« قالت اليهود: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يعنون أن اللّه قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئا فقال اللّه عزّ و جلّ: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا».( بحار الأنوار ٤: ٩٦).
و في حديث آخر:« ردّ اللّه عليهم فقال: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ أي يقدّم و يؤخّر، و يزيد و ينقص، و له البداء و المشيئة».( بحار الأنوار ٤: ٩٨).
و أما بالنسبة إلى السؤال الثاني: فالبداء لو كان يقصد به ظهور ما خفي لزم الجهل على اللّه سبحانه، و لكنه يتحتّم أن نفسّره بغير هذا، أي بإظهار ما أخفاه، فقد يخفي سبحانه أن القضاء معلّق على أن لا يتحقّق شيء معيّن فإذا اتضح التعليق و ارتفاع القضاء سمي ذلك بالبداء تسامحا، فإنه حقيقة إبداء لا بداء.
و للتوضيح أكثر نقول: إن القضاء الإلهي على نحوين: حتمي لا يقبل التغيير و معلّق يقبل ذلك. و قد أشار القرآن الكريم إلى هذين النحوين بقوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ، و هو إشارة إلى الأوّل، وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ و هو إشارة إلى الثاني.
و البداء لا يقع في القضاء الإلهي الحتمي، فإنه لا يقبل التغيير حسب الفرض و إنما يقع في الثاني.
و قد جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال:« لو لا آية في كتاب اللّه لأخبرتكم بما كان و بما يكون و بما هو كائن إلى يوم القيامة، و هي هذه الآية:
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ».( بحار الأنوار ٤: ٩٧).
و بعد هذا فمن الغريب التشنيع على الشيعة بأنهم يقولون بالبداء بمعنى ظهور ما خفي، فلاحظ كلام الرازي في هذا المجال.
حيث ذكر عند تفسير آية( ٣٩) من سورة الرعد ما نصه:( المسألة الخامسة: قالت الرافضة: البداء جائز على اللّه تعالى، و هو أن يعتقد شيئا ثمّ يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده، و تمسكوا فيه بقوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ.
و اعلم أن هذا باطل، لأن علم اللّه من لوازم ذاته المخصوصة، و ما كان كذلك كان دخول التغيير و التبدل فيه محالا).-- ثمّ إنه باتضاح هذا يتضح معنى البداء في قضية إسماعيل بن الإمام الصادق عليه السّلام و السيد محمّد بن الإمام الهادي عليهما السّلام، فإن مما توارثه الشيعة و كان من الأمور الواضحة بينهم هو أن الإمامة تنتقل إلى الولد الأكبر للإمام السابق، فلما توفي إسماعيل اعتقد البعض أنه لم يمت لأنه الإمام عليه السّلام و كان قد خفي عليهم أن ذلك مشروط بعدم موت الولد الأكبر في حياة أبيه، و هكذا بالنسبة إلى السيد محمّد عليه السّلام، فإن الشيعة- أعزّهم اللّه تعالى- كانوا يتصوّرون أنه هو الإمام لأنه الولد الأكبر، فمعنى بدا للّه سبحانه في أمر السيد محمّد هو أنه أظهر ما كان قد أخفاه.
و أما بالنسبة إلى السؤال الثالث: فالتأكيد على فكرة البداء ينشأ من ابتناء بعض الأسس و الثوابت الإسلاميّة عليها، فمثلا فكرة الدعاء و الصدقة و صلة الرحم هي من الأفكار الأساسية في الإسلام، و إذا أنكرنا إمكان البداء فلا معنى للدعاء، إذ لا يمكن حصول التغيير بعد انعقاد القضاء الإلهي، و هكذا لا معنى لدفع الصدقة لدفع البلاء، أو لزيادة العمر بسبب صلة الرحم.