اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ٣٧٠ - نقد ما استدلّ به القائل بالتخيير في الاستصحابين المتعارضين
المستصحب، بل يكون حجّة على الواقع لو أصاب، وإلّا يكون التخلّف تجرّياً لا غير، فالنهي عن نقض اليقين بالشكّ لا يكون إلّابملاك التحفّظ على الواقع، وهذا الملاك ليس بموجود في الاستصحابين المتعارضين، للعلم بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما، أو لقيام دليل خارجي على عدم اجتماعهما، فملاك الاستصحاب لا يكون موجوداً في كليهما، بخلاف باب التزاحم، فإنّك قد عرفت وجود الملاك في إنقاذ كلا الغريقين، فقياس المقام به مع الفارق.
الثاني: أنّ المحذور من جريان الاستصحاب في صورة التعارض إنّما هو ناشٍ من إطلاق أدلّته، فلابدّ من رفع اليد منه، لا من أصلها، كما في باب التزاحم، فإنّ إطلاق قوله: «أنقذ الغريق» يقتضي وجوب إنقاذ كلّ من الغريقين مطلقاً، سواء أنقذ الآخر أم لم ينقذه، وهذا يستلزم التكليف بما لا يطاق، لعدم القدرة على إنقاذ كليهما فرضاً، فلابدّ من تقييد هذا الإطلاق، فيصير مفاده وجوب إنقاذ زيد مثلًا بشرط عدم إنقاذ عمرو، وبالعكس، فيكون واجباً تخييريّاً، كسائر الواجبات التخييريّة، إلّاأنّ الحاكم بالتخيير هاهنا هو العقل وهناك هو الشرع.
ومسألة تعارض الاستصحابين أو الاستصحابات أيضاً نظير باب التزاحم، فإنّ إطلاق قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» يقتضي المنع من نقض اليقين بالشكّ في هذا الإناء مثلًا مطلقاً، سواء نقض في الآخر أم لا، وكذلك بالنسبة إلى الإناء الآخر، فيجري استصحاب طهارة كلّ منهما بمقتضى هذا الإطلاق، وحيث إنّه مستلزم لمخالفة قطعيّة عمليّة للتكليف المعلوم بالإجمال- وهو وجوب الاجتناب عن النجس- فلابدّ من رفع اليد من هذا الإطلاق، فيصير مفاده بعد التقييد حرمة نقض اليقين بالشكّ في هذا الإناء بشرط النقض في الآخر، وبالعكس، كما في باب التزاحم.