اصول الشيعه لاستنباط احكام الشريعة - اليوسفي، الشيخ محمّد حسين - الصفحة ١٩ - نقد نظريّة الشيخ الأنصاري من قبل المحقّق النائيني رحمهما الله
إذا كان حكم العقل بقبح شيء منحلّاً إلى حكمين: أحدهما: الحكم بقبحه، وثانيهما: الحكم بعدم قبح غيره، نظير القضيّة الشرطيّة الدالّة على المفهوم، ومن الضروري أنّ الأمر ليس كذلك، إذ هو فرع أن يكون العقل محيطاً بتمام الجهات الواقعيّة المحسّنة والمقبّحة، وكثيراً ما يستقلّ العقل بحسن شيء أو قبحه باعتبار كونه القدر المتيقّن في ذلك، وإن كان يحتمل بقاء ملاك حكمه مع انتفاء بعض الخصوصيّات [١] أيضاً، فإذا فرضنا الشكّ في بقاء الحكم العقلي مع انتفاء بعض الخصوصيّات الغير المقوّم للموضوع بنظر العرف فلا محالة يشكّ في بقاء الحكم الشرعي أيضاً ويجري الاستصحاب، لاتّحاد القضيّة المتيقّنة مع المشكوكة.
سلّمنا أنّ موضوع حكم العقل لابدّ من كونه مبيّناً عنده بتمامه والقطع بانتفائه عند انتفاء بعض خصوصيّاته، إلّاأنّ ما أفاده من ارتفاع الحكم الشرعي بارتفاعه ممنوع، فإنّ الحكم الشرعي إنّما يتبع الحكم العقلي في مقام الاستكشاف والإثبات، لا في مقام الثبوت والواقع، فربما يكون قيد له دخل في استقلال العقل بشيء إلّاأنّه غير دخيل فيما هو الملاك عند الشارع أصلًا، فإنّ الحكم الشرعي تابع للمصالح والمفاسد النفس الأمريّة، كانت مستكشفة عند العقل أو لم تكن، فإذا فرضنا ارتفاع الحكم العقلي التابع لاستكشافه الملاك الواقعي، فلا يلزم من ذلك ارتفاع الحكم الشرعي التابع لنفس الملاك الواقعي المحتمل بقائه، لاحتمال عدم دخل تلك الخصوصيّة فيه حدوثاً وبقاءً أو بقاءً فقط، فلا محالة يشكّ في بقاء الحكم الشرعي، ومع عدم كون تلك
[١] مثاله: أنّ العقل يدرك قبح الكذب الضارّ غير النافع لأحدٍ قطعاً، وأمّا إذا انتفى عنوان «الضارّ» أو عنوان «غير النافع لأحد» يشكّ في قبحه وعدمه، لشكّه في بقاء ملاك حكمه وعدمه. منه مدّ ظلّه.