موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩٧ - و الراية لابن الحنفية
الصّبر أبلغ في الحجة [١] !و أطال الوقوف و الناس ينتظرون أمره، و اشتد عليهم ذلك فتنادوا: حتى متى؟!
فصفق بإحدى يديه على الأخرى و قال لهم: عباد اللّه، لا تعجلوا، فإني كنت أرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يستحبّ أن يحمل إذا هبّت الريح.
فأمهل حتى زالت الشمس فصلّى صلاته ركعتين (قصرا) ثم قال لمن لديه:
ادعوا لي ابني محمدا، فدعوه له، فجاء و هو ابن تسع عشرة سنة (فكان مولده في ١٧ هـ) فوقف بين يديه، ثم دعا بالراية [٢] فنصبت، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
أما إن هذه الراية لم ترد قطّ و لا تردّ أبدا، و إني واضعها اليوم في أهلها!
ثم دفعها إلى ولده محمد و قال له: تقدّم يا بني [٣] بالراية، و اعلم أن الراية إمام أصحابك، فكن متقدما يلحقك من خلفك، فإن كان لمن يتقدم من أصحابك جولة رجع إليك [٤] خذ الراية و امض. فمضى فناداه: يا أبا القاسم!قال: لبّيك يا أبة!قال:
يا بنيّ؛ لا يستفزّك ما ترى، قد حملت الراية و أنا أصغر منك فما استفزّني عدوّي؛ و ذلك أني لم ألق أحدا إلاّ حدّثتني نفسي بقتله، فحدّث نفسك بعون اللّه بظهورك عليهم و لا يخذلك ضعف اليقين بالنفس، فإنّ ذلك أشدّ الخذلان!
قال محمد: فقلت له: يا أبة أرجو أن أكون كما تحبّ إن شاء اللّه.
[١] الجمل للمفيد: ٣٥٧.
[٢] نقل المعتزلي في شرح نهج البلاغة ٩: ١١١ عن أبي مخنف: هي راية رسول اللّه السوداء المعروفة بالعقاب، و قال للحسنين: إنما دفعت الراية إلى أخيكما و تركتكما لمكانكما من رسول اللّه، أي أنه كان لا يزجّ بهما في القتال إبقاء عليهما.
[٣] الجمل للمفيد: ٣٥٦.
[٤] الجمل للمفيد: ٣٥٩.