كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ١٤٦ - رأي أبي حنيفة و الشيباني
فإن العبادية تتوقف على وجود الأمر ليمكن من خلاله التعبّد و التقرّب، و من الواضح أنه مع فرض تعلّق النهي بالعبادة فلا يمكن تعلّق الأمر بها، إذ كيف يتعلّق الأمر بها بعد فرض تعلّق النهي، اللهم إلّا إذا قلنا بإمكان تعلّق الأمر و النهي بالموجود الواحد بعنوان واحد، فصوم العيدين مثلا عنوان واحد قد تعلّق به النهي فإذا قلنا بإمكان تعلّق الأمر به بالعنوان المذكور أمكن التعبّد و التقرب بواسطة الأمر المذكور، و لكن من الواضح أن ذلك ليس بممكن، أي لا يمكن تعلّق الأمر و النهي بالشيء الواحد بعنوان واحد.
إذن الفرق بين العبادة الذاتية و العبادة اللولائية واضح، ففي العبادة الذاتية حيث إن العبادية ذاتية للفعل فيلزم تحقّقها- أي العبادية- حتّى بعد تعلّق النهي بها، و هذا بخلافه في العبادة اللولائية، فإن العبادية لا تتحقّق إلّا بعد تعلّق الأمر الذي هو غير ممكن بعد فرض تعلّق النهي.[١]
[١] ما أفاده في التفرقة بين العبادة الذاتية و العبادة اللولائية قابل للمناقشة، لأن العبادية التي ادعى تحققها في العبادة الذاتية بعد تعلّق النهي بها هل هي العبادية الفعلية و التقرّب الفعلي أو أن المقصود هو العبادية بالمعنى الأوسع من ذلك، أي ماهية العبادة و إن لم تكن مقرّبة بالفعل؟ فإن كان المقصود هو الأوّل فيردّه أن التقرّب الفعلي بالسجود كيف يتحقّق بعد فرض تعلّق النهي به؟ و إن كان المقصود هو الثاني فيردّه أن العبادة بالمعنى الوسيع كما هي متحقّقة في العبادة الذاتية بعد النهي عنها كذلك هي متحققة بالعبادة اللولائية بعد تعلّق النهي بها، فتلك عبادة بمعنى أنها عبادة ذاتية، و هذه عبادة، بمعنى أنه لو تعلّق الأمر بها كان أمرا عباديا.
و بالجملة لا نعرف وجها للتفرقة بين الموردين، بل إما أن تكون العبادية متحقّقة في كليهما بعد تعلّق النهي أو لا تكون متحقّقة في كليهما بعد النهي، و لعلّه إلى ذلك أشار قدّس سرّه بالأمر بالفهم.