موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٩ - الخطبة الأولى
أسداها، و إحسان منن والاها، جمّ عن الإحصاء عددها، و نأى عن المجاراة أمدها، و تفاوت عن الإدراك أبدها. استدعى الشكور بإفضالها، و استحمد الخلائق بإجزالها، و أمر بالندب إلى أمثالها.
و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه كلمة جعل الإخلاص تأويلها، و ضمّن القلوب موصولها، و أبان في الفكر معقولها، الممتنع عن الأبصار رؤيته، و عن الألسن صفته، و عن الأوهام الإحاطة به.
ابتدع الأشياء لا عن شيء كان قبله، و أنشأها بلا احتذاء مثله، وضعها لغير فائدة زادته إظهارا لقدرته، و تعبدا لبريّته، و إعزازا لأهل دعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، و وضع العقاب على معصيته، ذيادة لعباده عن نقمته، و حياشة لهم إلى جنّته.
و أشهد أن أبي محمدا عبده و رسوله، اختاره قبل أن يبتعثه، و سماه قبل أن يستنخبه، إذ الخلائق في الغيب مكنونة، و بسد الأوهام مصونة، و بنهاية العدم مقرونة، علما من اللّه في غامض الامور و إحاطة من وراء حادثة الدهور، و معرفة بموقع المقدور، ابتعثه اللّه إتماما لعلمه، و عزيمة على إمضاء حكمه، فرأى الامم فرقا في أديانها، عكّفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة للّه مع عرفانها، فأنار اللّه بمحمد ظلمها، و فرّج عن القلوب شبهها؛ و جلا عن الأبصار غممها، و عن الأنفس عمهها
١ *
.
ثم قبضه اللّه إليه قبض رأفة و رحمة و اختيار، و رغبة لمحمد عن تعب هذه الدار، موضوعا عنه أعباء الأوزار، محفوفا بالملائكة الأبرار، و رضوان الرب الغفار، و مجاورة الملك الجبار، أمينه على الوحي، وصفيه و رضيه، و خيرته من خلقه و نجيه، فعليه الصلاة و السلام و رحمة اللّه و بركاته.
[١] (*) العمة: هو العمى إلاّ أنه عمى البصيرة لا البصر.