فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٦٣٧ - و أما نظرية فقهاء العامة،
فغير مقصود، و لكن إن هربوا شردناهم في البلاد بالاتّباع. و قيل: هي عقوبة مقصودة، فقيل على هذا: ينفى و يسجن دائماً؛ و كلّها عن الشافعيّ. و قيل: معنى «أَوْ يُنْفَوْا» أي: من أرض الإسلام إلى أرض الحرب. و الذي يظهر هو أنّ النفي تغريبهم عن وطنهم، لقوله تعالى:
«وَ لَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ»[١] الآية، فسوّى بين النفي و القتل، و هي عقوبة معروفة بالعادة من العقوبات، كالضرب و القتل، و كلّ ما يقال فيه سوى هذا فليس معروفاً، لا بالعادة و لا بالعرف.»[٢] و قال عبد القادر عودة: «مدّة النفي: و مدّة النفي عند أبي حنيفة و الشافعيّ و مالك غير محدودة، فيظلّ المحارب مسجوناً حتّى تظهر توبته و ينصلح حاله فيطلق سراحه؛ و هذا هو الرأي الراجح في مذهب أحمد، و إن كان البعض يرى أن تكون مدّة النفي عاماً قياساً على التغريب في الزنا. أمّا الظاهريّون فيرون أنّ النفي هو أن ينفى أبداً من كلّ مكان من الأرض و أن لا يترك لغير الإخوة أكله و نومه و ما لا بدّ منه من الراحة التي إن لم ينلها مات و مدّة مرضه و يظلّ هكذا حتّى يحدث توبة، فإذا أحدثها سقط عنه النفي و ترك يعود إلى مكانه. و أساس هذه الآراء المختلفة هو الاختلاف في تفسير معنى النفي، فمن قال بأنّ النفي هو السجن مطلقاً فسّروا النفي بأنّه الإبعاد من الأرض، و رأوا أنّه لا يقدر على إخراجه من الأرض جملة، فوجب أن يفعل من ذلك أقصى ما يقدر عليه، و غاية ذلك هو السجن، لقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» و سقط ما لا يستطاع. و من قال: إنّ السجن يكون في بلد غير بلده نظر إلى المعنى السابق و نظر إلى أن يحقّق معنى الإبعاد المستطاع عن محلّ الجريمة أيضاً. أمّا الذين لم يروا سجنه فقد قالوا: إذا سجنّاه في بلد أو أقررناه فيه غير مسجون، فلم ننفه من الأرض كما أمر اللَّه تعالى، بل عملنا به ضدّ
[١]- النساء( ٤): ٦٦.
[٢]- بداية المجتهد و نهاية المقتصد، ج ٢، صص ٤٥٦ و ٤٥٧.