فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٢٨١ - و أما المسألة عند فقهاء العامة،
ثمّ إنّ الحاكم الذي يحكم بالقطع مستنداً إلى ثبوته بالإقرار، لا بدّ أن يعلم إقرار الجانيّ، إمّا بأن يكون إقراره لديه أو يثبت إقراره بالبيّنة الشرعيّة.
ثمّ قد مرّ الكلام بنحو مبسوط حول مسألة جواز حكم القاضي بعلمه فيما إذا كان مستنداً إلى الحسّ أو الحدس القريب للحسّ و كان حاصلًا من الطرق العادية و القرائن العلميّة في مبحث طرق إثبات الزنا، و لا نحتاج إلى إعادته هنا.[١] و أيضاً تعرّضنا في مبحث الزنا لأدلّة اشتراط بلوغ المقرّ و كمال عقله، فلا نعيدها.[٢] و أمّا اعتبار حرّيّة المعترف بالسرقة و اختياره، فسيأتي البحث عنه في الأمر الأوّل و الثاني من الفصل الآتي.
و أمّا المسألة عند فقهاء العامّة،
فقال منهم ابن قدامة الحنبليّ: «الثاني: الاعتراف، فيشترط فيه أن يعترف مرّتين؛ روي ذلك عن عليّ رضى اللَّه عنه، و به قال ابن أبي ليلى، و أبو يوسف، و زفر، و ابن شبرمة. و قال عطاء، و الثوريّ، و أبو حنيفة، و الشافعيّ، و محمّد بن الحسن: يقطع باعتراف مرّة، لأنّه حقّ يثبت بالإقرار، فلم يعتبر فيه التكرار كحقّ الآدميّ.
و لنا: ما روى أبو داود بإسناده عن أبي أميّة المخزوميّ أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أتي بلصّ قد اعترف فقال له: و ما إخالك، سرقت؟ قال: بلى، فأعاد عليه مرّتين أو ثلاثاً فأمر به فقطع، و لو وجب القطع بأوّل مرّة لما أخّره. و روى سعيد عن هشيم و سفيان و أبي الأحوص و أبي معاوية عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال: شهدت عليّاً و أتاه رجل فأقر بالسرقة فردّه، و في لفظ: فانتهره، و في لفظ: فسكت عنه، و قال غير هؤلاء:
فطرده، ثمّ عاد بعد ذلك فأقرّ فقال له عليّ: شهدتَ على نفسك مرّتين، فأمر به فقطع. و في لفظ: قد أقررت على نفسك مرّتين. و مثل هذا يشتهر فلم ينكر، و لأنّه يتضمّن إتلافاً في
[١]- راجع، الجزء الأوّل من هذا الكتاب، صص ٢٤٤- ٢٥١.
[٢]- راجع: نفس المصدر، صص ٢٥٧ و ٢٥٨.