فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٦٣٢ - الأمر الأول في معنى النفي
الثاني: حسنة جميل بن درّاج، و مقتضاها كفاية النفي من مصر إلى آخر، و قد مرّ ذهاب جمع من القدماء إلى ذلك.
الثالث: حسنة حنان، و هي تدلّ بإطلاقها على أنّه لا يبايع و لا يؤوى و لا يتصدّق عليه حتّى في البلد المنفيّ أيضاً. و يستفاد من ضميمة هذه الرواية إلى سابقتها أنّه ينفى إلى بلد آخر، و لكنّه يضيّق عليه هناك بالأمور المذكورة و أمثالها ممّا يشقّ بها الأمر عليه، مثل عدم مناكحة أهل البلد و مؤاكلتهم و مشاربتهم معه كما مرّ في خبر المدائنيّ، و عدم إيتائهم إيّاه الطعام كما مرّ في خبر زرارة.
و هذه المواجهة الحاسمة توجب غالباً و طبعاً أن يخرج المحارب من ذلك البلد إلى بلد آخر و لا يستقرّ على مكان خاصّ. و هذا هو الذي صرّح به في خبر عبيد اللَّه المدائنيّ أيضاً، و إليه ذهب الماتن و أكثر الأصحاب رحمهم الله، و هو القول الحقّ.
و أمّا المعنى الثاني الذي ذهب إليه المفيد و بعض آخر، و هو أنّ المراد من النفي تشريده من جميع البلاد بمعنى أنّه كلّما قصد بلداً نفاه الحاكم أو وكيله منه فلا يترك يأوي في بلد، فليس عليه دليل في الأخبار. و أمّا التمسّك لذلك بقوله تعالى: «أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ» نظراً إلى إطلاق لفظ الأرض فيه، و أنّ النفي من وجه الأرض لا يتحقّق إلّا بأن لا يكون له مقرّ يستقرّ فيه، فهو في غير محلّه، و ذلك لأنّ مقتضى اللفظ المذكور نفيه من مجموع الأرض، و هذا أمر غير متحقّق في زمان نزول الآية. فالتعبير المذكور تعبير كنائيّ و مجازيّ، و تعيّن المعنى الذي ذكره المفيد رحمه الله و غيره من دون وجود أيّ قرينة و شاهد عليه غير موجّه. و هذا بخلاف ما ذهب إليه الماتن رحمه الله من المعنى، حيث إنّه يوافقه النصّ المعتبر.
و أمّا سائر المعاني، فهي- مضافاً إلى كونها خلاف المنساق من الآية الشريفة، و شاذّة عند الأصحاب و عدم ورودها في النصوص المعتبرة- لم يساعد عليها العرف و اللغة.