فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٤٩٣ - أ - الكتاب و جريمة الحرابة
أ- الكتاب و جريمة الحرابة
قال اللَّه تبارك و تعالى: «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[١].
و قد تصدّى جمع من الباحثين حول المحاربة أن يفسّروا الآية و يبيّنوا المراد منها، و إليك عبارات بعضهم في هذا المجال:
قال الشيخ الطوسيّ رحمه الله: «اختلف الناس في المراد بهذه الآية، فقال قوم: المراد بها أهل الذمّة إذا نقضوا العهد و لحقوا بدار الحرب و حاربوا المسلمين، فهؤلاء المحاربون الذين ذكرهم اللَّه في هذه الآية، و حكمهم فيما ارتكبوه من المعصية، هذه العقوبة التي ذكرها اللَّه.
و قال قوم: المراد بها المرتدّون عن الإسلام إذا ظفر بهم الإمام عاقبهم بهذه العقوبة، لأنّ الآية نزلت في العرينيّين، لأنّهم دخلوا المدينة فاستوخموها[٢] فانتفخت أجوافهم و اصفرّت ألوانهم، فأمرهم النبيّ عليه و آله السلام أن يخرجوا إلى لقاح إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها و أبوالها، ففعلوا ذلك فصحّوا فقتلوا الراعي و ارتدّوا و استاقوا الإبل فبعث النبيّ عليه و آله السلام في طلبهم فأخذهم و قطع أيديهم و أرجلهم و سمل أعينهم[٣] و طرحهم في الحرّة[٤] حتّى ماتوا، فالآية نزلت فيهم. و قال جميع الفقهاء: إنّ المراد بها قطّاع الطريق، و هو من شهّر السلاح و أخاف السبيل لقطع الطريق.»[٥]
[١]- المائدة( ٥): ٣٣ و ٣٤.
[٢]- استَوخَمَ المكانَ: وجده وخيماً و استثقله و لم يوافق هواؤه بدنه.
[٣]- سَمَل عينَه: فقأها.
[٤]- الحَرّة: أرض بظاهر المدينة فيها أحجار سُود كثيرة.
[٥]- المبسوط، ج ٨، ص ٤٧- و راجع: التبيان في تفسير القرآن، ج ٣، ص ٥٠٤.