فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٦٣٦ - و أما نظرية فقهاء العامة،
أن يشرّدوا فلا يتركوا يأوون في بلد» ما هذا لفظه: «و النفي هو تشريدهم عن الأمصار و البلدان فلا يتركون يأوون بلداً، و يروى نحو هذا عن الحسن و الزهريّ. و عن ابن عبّاس:
أنّه ينفى من بلده إلى بلد غيره، كنفي الزاني؛ و به قال طائفة من أهل العلم. قال أبو الزناد:
كان منفى الناس إلى باضع من أرض الحبشة، و ذلك أقصى تهامة اليمن. و قال مالك:
يحبس في البلد الذي ينفى إليه كقوله في الزاني. و قال أبو حنيفة: نفيه حبسه حتّى يحدث توبة؛ و نحو هذا قال الشافعيّ، فإنّه قال في هذه الحال يعزّرهم الإمام، و إن رأى أن يحبسهم حبسهم. و قيل عنه: النفي طلب الإمام لهم ليقيم فيهم حدود اللَّه تعالى، و روي ذلك عن ابن عبّاس. و قال ابن شريح: يحبسهم في غير بلدهم؛ و هذا مثل قول مالك. و هذا أولى، لأنّ تشريدهم إخراج لهم إلى مكان يقطعون فيه الطريق و يؤذون به الناس فكان حبسهم أولى. و حكى أبو الخطّاب عن أحمد رواية أخرى معناها أنّ نفيهم طلب الإمام لهم، فإذا ظفر بهم عزّرهم بما يردعهم. و لنا: ظاهر الآية، فإنّ النفي الطرد و الإبعاد، و الحبس إمساك، و هما يتنافيان. فأمّا نفيهم إلى غير مكان معيّن فلقوله سبحانه: «أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ»، و هذا يتناول نفيه من جميعها. و ما ذكروه يبطل بنفي الزاني، فإنّه ينفى إلى مكان يحتمل أن يوجد منه الزنا فيه. و لم يذكر أصحابنا قدر مدّة نفيهم، فيحتمل أن تتقدّر مدّته بما تظهر فيه توبتهم و تحسن سيرتهم، و يحتمل أن ينفوا عاماً كنفي الزاني.»[١] و قال ابن رشد الأندلسيّ: «و اختلف أيضاً في قوله: «أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ»، فقيل: إنّ النفي هو السجن، و قيل: إنّ النفي هو أن ينفى من بلد إلى بلد فيسجن فيه إلى أن تظهر توبته، و هو قول ابن القاسم عن مالك، و يكون بين البلدين أقلّ ما تقصّر فيه الصلاة؛ و القولان عن مالك. و بالأوّل قال أبو حنيفة. و قال ابن الماجشون: معنى النفي هو فرارهم من الإمام لإقامة الحدّ عليهم، فأمّا أن ينفى بعد أن يقدر عليه فلا. و قال الشافعيّ: أمّا النفي
[١]- المغني و يليه الشرح الكبير، ج ١٠، صص ٣١٣ و ٣١٤.